أكد الجمهوريون للشعب الأميركي مراراً وتكراراً، أنه بمجرد الانتهاء من اتفاق رفع سقف الدين، الذي سيفضي إلى تغطية النفقات، وخفض العجز في الميزانية، وتأمين 98% من مطالبهم، وذلك وفقاً لما ذكره رئيس مجلس النواب جون بونر، فإن الاقتصاد سيعاود تراجعه.

والمفاجأة أن ما يحدث الآن هو عكس ذلك تماماً. فقد تراجعت سوق الأوراق المالية، وخفضت "ستاندرد أند بورز" تصنيف الدين الأميركي، وأوشكت الولايات المتحدة، على ما يبدو، على السقوط في هاوية ركود اقتصادي آخر، أكثر من أي وقت مضى.

في الواقع، إن مستثمري وول ستريت ليسوا أصحاب مبادئ، إذ لا يستحوذ عليهم هاجس العجز الذي قد يصيب الميزانية بعد 10 سنوات من الآن، ولا يشغلون تفكيرهم كثيراً بحجم الحكومة، وإنما تستند مخاوفهم إلى وقائع باردة وقاسية.

الحقيقة الأولى، هي أن الاقتصاد قارب على الركود التام، إذ ذكرت وزارة التجارة الأميركية أن البلاد لم تحقق نمواً يذكر خلال النصف الأول من العام الجاري.

والحقيقة الثانية، هي أن الوضع الوظيفي يزداد سوءاً، رغم أن تقرير الوظائف الأخير أظهر أنه تمت إضافة 117 ألف وظيفة في يوليو الماضي.

ولكن ذلك لا يدعو إلى السرور، نظراً للنمو السكاني المتزايد، الذي يتطلب ما لا يقل عن 125 ألف فرصة عمل جديدة شهرياً. وهذا يشير إلى أن عدداً كبيراً من الناس قد يئسوا من البحث عن عمل.

والمعلومة المهمة التي يمكن استنباطها من تقرير الوظائف، تتمثل في الانخفاض الهائل في نصيب الأميركيين من القوة العاملة ممن يسمح لهم بالعمل، إذ لا تتجاوز نسبة مشاركتهم في سوق العمل 63.9%.

وتقل هذه النسبة عما كانت عليه في أوج الأزمة الاقتصادية الكبرى، كما تقل عما كانت عليه خلال العقود الثلاثة الماضية.

ولم يتبق الآن للملايين من العائلات الأميركية التي كانت تعتمد على دخلين لدفع فواتيرها، سوى دخل واحد، وبالتالي فهم لن يتمكنوا من إنفاق المزيد من المال لدعم دوران عجلة الاقتصاد.

والحقيقة الثالثة، هي أن اتفاق الميزانية الأخير يقف عائقاً في وجه قيام الرئيس والديمقراطيين بسن مشروع قانون جديد لفرص العمل للتصدي لتلك الظواهر، وتقوية الاقتصاد.

ولأن الاتفاق يقضي بتقليل الإنفاق إلى حد كبير، فلن يتمكن الكونغرس الأميركي من مجرد الاقتراب من حجم الحوافز اللازمة لسد الفجوة بين حجم المبالغ التي يستطيع إنفاقها المستهلكون، الذين باتوا يصابون بالهلع على نحو متزايد، وحجم المبالغ التي يحتاجها الاقتصاد للوقوف على قدميه. كما لن يتمكن الكونغرس من الاقتراب من نسبة عمالة تامة.

ومن جهة أخرى، فقد نفد التحفيز الأصلي، وانتهى برنامج "التيسير الكمي" المقدم من الاحتياطي الفدرالي. وبالتالي، يبقى السوق بمفرده الآن، بحاجة إلى قوة صاروخية تنتشله من الدوامة التي تجره باستمرار نحو كساد عظيم.

ويواصل الجمهوريون زعمهم أن التحفيز الأصلي لم ينجح، وأن تحفيزاً آخر لن يجدي نفعاً. إلا أن البيانات المنقحة من قبل وزارة التجارة الأميركية بشأن ما حدث للاقتصاد في عامي 2008 و2009 تناقض زعمهم ذلك، إذ تشير إلى أن الانخفاض كان أكبر بكثير مما كان متوقعاً.

نحن نعلم الآن أن الاقتصاد تراجع بنسبة 8.9% في الربع الرابع من 2008، وهو أكبر انخفاض ربع سنوي منذ أكثر من نصف قرن. وفي 2009، انخفضت المشتريات المنزلية حوالي 2%، مقارنة مع التقدير السابق البالغ 1.2%. وقد شكل ذلك أكبر انكماش اقتصادي منذ ما يقارب 60 عاماً.

لقد نجح التحفيز الأصلي حين ساهم في إنقاذ ثلاثة ملايين وظيفة، غير أنه كان أصغر بكثير من أن يتمكن من تغطية الانخفاض. ونتيجة لقيام الحكومات الولائية والمحلية المتعطشة للسيولة النقدية، بتقليل إنفاقها في وقت واحد، كان لا بد من تحفيز فدرالي أكبر للحصول على جدوى تذكر.

إننا نقف الآن على حافة انخفاض مزدوج، في حين تقف الحكومة الاتحادية مكبلة اليدين، بسبب أزمة ديون زائفة، واعتقاد مضلل بأن التحفيز الأول قد باء بالفشل.

أملنا الوحيد هو أن يقوم الناخبون بإخبار أعضاء الكونغرس، الذين يمضون عطلهم حالياً في الولايات المتحدة، أن يتوقفوا عن التوجس من عجز مستقبلي في الميزانية، وأن يبادروا باحتواء الأزمة الحقيقية المتمثلة في البطالة، وانخفاض الأجور، وانعدام النمو. وعلاوة على ذلك، يتحتم على الناخبين الأميركيين أن يطالبوا بقانون وظائف جريء، لدفع عجلة الاقتصاد إلى التحرك من جديد.

ما الذي يجب فعله؟ إننا لا نتحدث عن علم الصواريخ. فمن الواضح أنه لابد من إعادة إنشاء إدارة تقدم الأشغال وفيلق الخدمة المدنية، وإلغاء الضرائب المفروضة على أول 20 ألف دولار من الدخل لمدة سنتين، وتوسيع ائتمان ضريبة الدخل المكتسب، وإقراض المال للولايات والحكومات المحلية التي تمر بضائقة مالية.

وفضلاً عن ذلك، يجب منح ائتمانات ضريبية لأصحاب العمل مقابل فرص العمل الجديدة، وتعديل قوانين الإفلاس للسماح لأصحاب المنازل المنكوبة بإعلان الإفلاس على مقر إقامتهم الأساسي، إلى جانب تمديد التأمين ضد البطالة، وتقديم إعانات بطالة جزئية للأشخاص الذين خسروا وظائف بدوام الجزئي.

ولا بد من إنشاء بنك خاص بالبنية التحتية، يعمل على تحصيل القروض من أسواق رأس المال العالمية بصورة مباشرة، وتمويل الطرق الجديدة والجسور والموانئ والنقل السريع.. ولا بد من فعل ما هو أكثر من ذلك.

إن مبادرات من هذا القبيل تتطلب المزيد من الإنفاق العام في المستقبل القريب.

ولن يتسبب إنفاقاً كهذا في تفاقم ديون الميزانية على المدى الطويل، عندما يؤدي إلى استعادة فرص العمل والنمو، وسيؤدي أيضاً إلى تقليل الدين كنسبة مئوية من الاقتصاد الكلي. فالضرائب يدفعها الموظفون والشركات التي تحقق مبيعات، ويتخلف عن دفعها العاطلون عن العمل والشركات التي لا تحقق مبيعات.

وينبغي أن تضع البلاد مشروع قانون الوظائف على رأس أولوياتها، بل كان من المفروض أن تضعه على رأس أولوياتها منذ البداية.