استثمرت الإدارة الأمريكية قبل حين، وببراغماتيتها العاتية، مواقفها المشجعة لدول أوروبا الشرقية على الانضمام لحلف شمال الأطلسي والمجموعة الأوروبية بصورة ناجحة.. فقد تم يومها استقبال رومانيا وبلغاريا واستونيا ولاتفيا وليتوانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا في حلف شمال الأطلسي، فيما قبلت المجموعة الأوروبية رومانيا وبلغاريا فقط، وتم استثناؤهما من الحلف.

الخطوات الأميركية كانت بمثابة صفعة مزدوجة لروسيا من جهة، ولكبار الأوروبيين الغربيين، وخاصة ألمانيا وفرنسا.. وقد تجلّى ذلك في رد الفعل الروسي الذي ألمح أكثر من مرة إلى الأهداف الحقيقية وراء نقل الوجود العسكري الأميركي الاستراتيجي إلى عمق أوروبا الشرقية.

وذلك إثر المبادرة البلغارية بمنح الولايات المتحدة حق استخدام العديد من القواعد في بلغاريا، ولقد كررها مجدداً الرئيس الروسي السابق ورئيس وزراء روسيا الحالي فلاديمير بوتين، مؤكداً أن روسيا ليس بوسعها أن تقف مكتوفة الأيدي أمام التمدد الأميركي في فنائها الخلفي.

جاء الرد الروسي صاعقاً ومفاجئاً للإدارة الأميركية أثناء أحداث جورجيا، وقد أصيبت الدبلوماسية الأميركية بشلل تام إزاء الحدث، وتركت حليفها الأمين الرئيس الجورجي ساكاشفيلي يلعق جراحاته. كما توالت الردود الروسية من خلال تعظيم المصالح المتبادلة مع منظومة الدول التي كانت قد خرجت من رحم الاتحاد السوفييتي السابق.

وقد شكلت صفقة الغاز مع أوكرانيا بالترافق مع بقاء الحضور العسكري الروسي هناك، إشارة دالة في هذا الباب، وقد قامت قائمة اليمين الأوكراني في انتقاد هذه الخطوة، غير أن النخبة السياسية الأوكرانية وصلت إلى قناعة بأن الغاز الروسي يشكل شريان حياة لا تستطيع البلاد الاستغناء عنه.

وقد جاءت أحداث قرغيزيا لتعزز يسار الوسط، ولتقربها خطوة أخرى تجاه روسيا، والآن تتحرك بيلاروسيا مقترحة وحدة اندماجية مع روسيا، فيما تباشر أوساط سياسية شرق أوروبية دراسة إمكانية تفعيل اتحاد الجمهوريات المستقلة، الذي جاء كمخرج فولكلوري لسقوط الاتحاد السوفييتي.

وعلى خط أوروبا الغربية ما زالت ألمانيا وفرنسا تشعران بقلق مؤكد تجاه إعادة التوزيع الجغرافي للوجود الأميركي، مما يفقدهم المكانة المركزية في أوروبا التقليدية ويضع خطاً فاصلاً بين "القارة العجوز"، ممثلة بدول غرب أوروبا، وبين مجموعة الدماء الجديدة والحلفاء المضمونين للولايات المتحدة من دول أوروبا الشرقية الخارجين من معطف الأممية الاشتراكية البائدة. مع ملاحظة أن الحراك السلبي يتجه في أوروبا الشرقية لغير صالح الإدارة الأميركية، ومن هذه الزاوية بالذات تشعر أوروبا الغربية بأنها استبعدت نفسها إجرائياً من محيطها الحيوي الذي لا غنى لها عنه، متماهية مع القاطرة الأميركية حد فقدان التوازن..

قبل حين استثمرت الإدارة الأميركية حاجة الدول الشرق أوروبية إلى الدعم المالي والاستثماري، مُعيدة تسويق الأمل المنشود باقتصاد حر ومتجدد.. وهي نفس السلعة التي ثبت تهافتها طوال سنوات الانتقال العسيرة لتلك البلدان.. ولا ندري هل ستتغير الحالة قريباً، أم ستظل مجرد حلم من أحلام الجنة الرأسمالية الموعودة.

وإلى ذلك نجحت الإدارة الأميركية في "لخبطة" المرجعيات التاريخية والدينية الأوروبية، حيث أصبح الأرثوذوكس الرومان يقفون في نفس المربع مع الكاثوليك البولنديين.. فيما يفارق القوميون السلافيون البولنديون والصرب، أبناء عمومتهم في روسيا، وفي تأكيد جديد على المستقبل الأميركي لأوروبا الشرقية، وهو ما ترفضه أوروبا التاريخية وذاكرتها الأكثر ميلاً لحكمة التوازنات والهدوء في الانتقالات.

إن ما جرى يفسر لنا الموقف التحالفي الثابت لبلدان أوروبا الشرقية مع الولايات المتحدة، من خلال عواصف العقد الأخير من العالم المجنون، لكن هذا التحالف بدأ يتصدع بعد أن حصحص الحق، وعرف الشرقيون الأوروبيون أن روسيا المجاورة الكبيرة والغنية، أقرب إليهم من حبل الوريد.

لقد انقلبت المتوالية رأساً على عقب، فمسارعة تلك البلدان في إدارة الظهر لجيرانهم الروس والفرنسيين والألمان، لم يعد وارداً اليوم كما كان قبل عقد من الزمان، والنجاح السابق لليمين الأميركي في دغدغة الصراعات البينية المكبوتة بين الأوروبيين، وتدوير ذاكرة التاريخ السلبي في العلاقات الأوروبية، وإقناع الحلفاء الجدد بأن الوئام الاوروبي لا معنى له بدون الولايات المتحدة.. سرعان ما تكشف عن وجه آخر مغاير لما أراده صُناع عالم القطب الواحد.

الآن وقد حدث ما حدث، تجد روسيا نفسها في أحسن الحالات التي جاءت بعد انهيار المعسكر الاشتراكي.. أما ألمانيا وفرنسا فقد حق عليهما ما تبجح به دوماً عتاة اليمين الأميركي، من أنهما ورثة العقلية التقليدية للقارة العجوز.. تبقى تركيا التي لن تكون الذراع المتقدمة الوحيدة للعسكرية الأميركية الموجهة للعمق الشرقي العالمي.. ففي الجعبة المزيد من الخيارات الاميركية البديلة.

وما على تركيا (العدالة والتنمية) إلا أن تستوعب الرسالة.. ذلك ما يتمناه البنتاغون، ويمثل تحدياً حقيقياً أمام حزب العدالة والتنمية، الذي تمكن من استبعاد جنرالات الحماية التقليدية للأتاتوركية العلمانية، ولكن دون التخلّي عن هوية الدولة التركية العلمانية بامتياز.

وسط هذه المعركة السياسية الاقتصادية المحتدمة على المستويين الأوروبي بشموله، والأورو آسيوي أيضاً، تعمل السياسة الروسية لتحقيق المزيد من المكاسب على حساب الولايات المتحدة، وكأنما حرب باردة جديدة تطل برأسها، رغماً عن عقود التقارب بين القطبين السابقين.