هل باتت واشنطن والعالم من خلفها على موعد مع عودة غير محمودة لليمين الأميركي المتشدد؟ ربما يكون ذلك كذلك بالفعل، فما الذي يدعونا لتقرير تلك النتيجة مسبقا؟
المقدمات ولا شك تقود إلى النتائج، وما يسعى اليمين الأميركي لفرضه اليوم عبر الكونغرس، على عدد من دول العالم، يؤكد صدقية ما ننحو إليه.
خلال الأيام القليلة الماضية، اعتمد الكونغرس الذي يهيمن عليه الجمهوريون، تخفيضات حادة على المساعدات الخارجية مع إخضاعها لشروط صارمة، فيما ينظر إليه كإملاءات جديدة للعالم. وبالطبع كانت دول عربية، مثل مصر واليمن ولبنان والسلطة الفلسطينية، في مقدمة الدول التي وضع سكين اليمين الحاد على رقبتها مسبقا.
تبرز على سطح الأحداث في واشنطن مؤخرا، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية النائبة الجمهورية عن ولاية فلوريدا "لينا روس ليتين"، والتي صاغت مشروع قانون يحظر تقديم المساعدات الأمنية لمصر واليمن، ما لم يصادق الرئيس الأميركي على عدم سيطرة أي "منظمة إرهابية أجنبية" أو متعاطفين معها على حكوماتها. كذلك فقد اشترط التزام مصر بالامتثال الكامل لاتفاقيات كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل، وبأن تكون نشطة في "تدمير أنفاق تستخدم لتهريب مواد إلى غزة".
يتلاعب اليمين الأميركي بمصر في هذه الأيام عبر العزف على وتيرتين؛ الأقباط من جهة، والإخوان المسلمين من جهة ثانية. وفي الحالتين يجزم المرء صادقا أن المصلحة الأميركية أولاً وأخيراً، هي الهدف الأهم الواضح لواشنطن.
عبر جلسة استماع عقدت في هلسنكي نهار الجمعة الثاني عشر من يوليو الماضي، تحت عنوان "أقليات في خطر: الأقباط المسيحيون في مصر"، ذهب الحديث في اتجاه أنه ستكون هناك تعديلات سيتم إدخالها على مشروع اعتمادات المساعدات الخارجية، لمجلس الكونغرس، لربط المساعدات الخارجية لمصر بمعالجة كافة قضايا وحقوق مسيحيي مصر.
أما مشروع القانون الأميركي 2583 الذي يتم نقاشه في مجلس النواب، بشأن تخصيص موارد للعلاقات الخارجية عن العام المالي 2012، فقد ذهب صراحة إلى ما هو أبعد، بالقول بوقف المعونة الأميركية العسكرية والاقتصادية عن مصر، في حال عدم التزام الحكومة المصرية، باحترام الحريات الدينية وحماية حقوق المسيحيين الأقباط. أما قمة تلاعب اليمين الأميركي فتجلت في تصنيف مجلس النواب الأميركي، جماعة الإخوان المسلمين في مصر كمنظمة إرهابية.
وهنا تتجلى ظاهرة الازدواجية الأميركية البغيضة، ففي الوقت الذي تعلن فيه الخارجية الأميركية صراحة عن وجود قنوات اتصال مع جماعة الإخوان في مصر، نرى النائب في مجلس النواب الأميركي "جيف دنكان" يتقدم بتعديل على القسم 811 من البند الثامن بمشروع القانون 2583، يطالب وزارة الخارجية الأميركية بتصنيف الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية أجنبية، وربط بشكل واضح بينها وبين حماس في غزة.
هذا الحديث يقودنا إلى نوايا اليمين الأميركي تجاه القضية الفلسطينية، وقد بدت تظهر بالفعل خلال النقاشات التي جرت داخل مجلس النواب، حيث سادت حالة من التوافق بين الأعضاء في ما يتعلق بالتعامل مع القضية الفلسطينية، لا سيما مع المساعي الفلسطينية للحصول على اعتراف الأمم المتحدة بدولتهم المستقلة، بصورة منفردة وبعيدة عن الولايات المتحدة... كيف ذلك؟
تقدم النائب "ايليوت اينجل" بمقترح تعديل حظي بموافقة 44 عضوا ودون أية معارضة، يهدف إلى الحد من المساعدات المقدمة للسلطة الفلسطينية، وربطها بشرط تعهد الرئيس الفلسطيني، بعدم الإعلان الأحادي من جانب السلطة الفلسطينية، باستقلال دولتهم عام 2011، والالتزام بالدخول في مفاوضات مع إسرائيل، وعدم السعي للحصول على اعتراف الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية".
ومن مصر مرورا بفلسطين، يصل المرء إلى الأمم المتحدة، إذ قرر الكونغرس "اليميني" في 20 من الشهر الماضي، خفض حجم المشاركة المالية الأميركية في ميزانية الأمم المتحدة بنسبة 25%، مع اشتراط وقف المساعدة الأميركية لأي دولة تصوت ضد مواقف واشنطن في المنظمة العالمية، لأكثر من نصف مشروعات القرارات التي تدفعها واشنطن.
أما باكستان الصديق الحليف لواشنطن، فينص مشروع القانون على حرمانها من تلقي مزيد من المساعدات المدنية، ما لم تصادق وزارة الخارجية الأميركية على أن إسلام آباد تتعاون بالكامل مع جهود مكافحة الإرهاب الأميركية.
ورغم أنه من غير المرجح أن يحوز مشروع هذا القانون على موافقة أغلبية مجلس الشيوخ، الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، فضلاً عن الفيتو الأميركي الذي يكاد يكون من شبه المؤكد أن يمارسه الرئيس باراك أوباما، إلا أنه يكشف عن شيء خطير متوقع، وهو مسار السياسة الخارجية الأميركية للجمهوريين، لا سيما إذا قدر لهم اختطاف الرئاسة من الديمقراطيين، والأخذ بعين الاعتبار أن غالبية الأسماء الجمهورية المرشحة للرئاسة يمينية بدرجات متفاوتة.
مؤخرا ذهب ريتشارد هاس المنظر الأشهر للسياسة الأميركية، إلى أن الوقت الحالي هو وقت ترميم السياسات الأميركية، عبر إعادة موازنة الموارد المخصصة لمواجهة التحديات المحلية، مقابل تلك الدولية لصالح الأولى. والهدف من هذه السياسة هو "استعادة قوة هذه البلاد، وتجديد مواردها الاقتصادية والبشرية والمادية"...
ماذا يعني ذلك؟ يعني أن اليمين الأميركي بعنصريته، يكتب قرار الانعزالية الأميركية والعودة للتمترس وراء المحيط، وإعلان أفول الإمبراطورية الأميركية.