تعرف حركات الاحتجاج التي يشهدها العالم العربي منذ بداية العام الحالي، تطورات من الصعب ترقّب ما ستؤول إليه. إنّها سمة المسارات الثورية التي تتمرّد على الأطر التقليدية. وفي ليبيا وسوريا واليمن، تحوّلت الأحداث للأسف إلى مآسٍ، حيث يزداد عدد القتلى يوماً بعد يوم.

وفي مصر، التي تحتل المكانة المركزية في العالم العربي بحكم التاريخ والجغرافيا وعدد السكان، تتخذ التطورات صيغاً مختلفة. وُلدت "ثورة 25 يناير" من تطلّع الشعب المصري للتغيير، وقد هزّت السلطة القائمة منذ 30 عاماً، وأُطاحت برئيسها بعد 18 يوماً من انطلاقها. لقد نصّب المجلس العسكري نفسه لتأمين التحوّل الديمقراطي. فإلى أين وصلت الأمور بعد ستة أشهر؟

هناك عدّة ملاحظات يمكن صياغتها. الملاحظة الأولى؛ أن الجميع في مصر يتحدثون عن الثورة. ولا شك أن رحيل مبارك وسرعته يدلان على ثورة، فالدلالة السياسية لمثل هذا الفعل كبيرة وعميقة جداً. مع ذلك ينبغي الإقرار بأن البنى الأساسية للنظام لم تتغيّر حتى اليوم، والجيش الذي يسيّر الأمور يعاني من نقطتي ضعف أساسيتين في نظر الشباب المصري.

نقطة الضعف الأولى هي تمتعه بثراء كبير في بلاد يعيش 40% من سكانها بأقل من دولار في اليوم، وهو مرتبط بنيوياً مع السلطة الاقتصادية، ويعبئ كل طاقاته للمحافظة على النظام الاجتماعي القديم. إن الاستغلال الشامل لثروات البلاد، كما اتضح من سقوط مبارك، ليس جديداً وليس خاصيّة لمصر، لكن تحمّله يغدو أكثر فأكثر صعوبة من قبل شعب يبحث عن العدالة الاجتماعية. نقطة الضعف الثانية هي التباطؤ في تنفيذ الإصلاحات.

 فما الذي حلّ بالوعود؟ لا شك أنه جرى تعديل الدستور باستفتاء في شهر إبريل الماضي. أمّا الإصلاحات في قطاعات الصحّة أو التربية أو السكن، فلا تزال تنتظر. الملاحظة الثانية تخصّ تنظيم القوى السياسية. وهذا يشكل في الواقع تحدياً جديداً أمام المجتمع المصري، من أجل التوصّل إلى تأسيس أحزاب جديدة قادرة على تقديم اقتراحات وصياغة برامج بديلة. المهمّة صعبة في بلاد لم تعرف الحياة الديمقراطية فعلياً، ولا يمكن لمصر أن تتحوّل خلال بضعة أسابيع، إلى بلد شبيه بالبلدان الاسكندنافية.

الإخوان المسلمون يشكّلون وحدهم في الواقع قوّة سياسية منظّمة، قد يمكنها الحصول في الانتخابات القادمة على نسبة قد تتجاوز 25% من أصوات الناخبين. وللمرّة الأولى في تاريخها، أسست الجماعة تنظيماً سياسياً مشروعاً، هو "حزب الحريّة والعدالة". مع ذلك يحافظ الإخوان المسلمون على الهدوء في تحرّكهم، ويؤكّدون أنهم لا يريدون الترشح في أكثر من نصف الدوائر في الانتخابات التشريعية القادمة، ولن يقدّموا مرشحين للانتخابات الرئاسية.

المكونات الأخرى للمشهد السياسي لا تزال عاجزة حتى الآن عن تشكيل أحزاب حقيقية. وهناك توجهان يرتسمان، أحدهما ليبرالي سياسياً واقتصادياً، والآخر اشتراكي ـ ديمقراطي، يجمع خاصّة ناصريين سابقين. ولا ينبغي نسيان أنصار النظام السابق، الذين لم يقولوا كلمتهم النهائية بعد.

لا شك أن حزب مبارك لم يعد موجوداً، لكن شبكة المتنفّذين التي كان يعتمد عليها في عموم مصر، لم تختف ولا تزال نشيطة سراً. الملاحظة الثالثة تتمثّل في أنه رغم غياب شبه كامل للأحزاب، لا تزال التعبئة قوية والضغط على المجلس العسكري الأعلى حقيقياً.

ولا تزال هناك اعتصامات متفرقة في العديد من المدن المصرية، المشاركون فيها أقل عدداً مما كان في شهري يناير ونوفمبر، لكنها تمثّل تطلعات ملايين المصريين، وقد أرغمت رئيس الوزراء د. عصام شرف على تعديل حكومته.

التحدي الحقيقي هو إجراء إصلاح عميق في نظام هش جداً. والموارد الاقتصادية تعتمد خاصّة على الريع الخارجي. إن السياحة في تضاؤل متعاظم، وتحويلات المهاجرين وحقوق المرور في قناة السويس والدخل من موارد الطاقة، أمور تخضع كلّها لتقلبات السوق الاقتصادي العالمي. والمساعدة الأميركية هي ذات طابع عسكري.

إن أكبر تحديات الجيش اليوم، هو في الواقع إيجاد سبل العمل لملايين الشباب المصريين. وإذا لم يتوصّل إلى ذلك فسيدفع الثمن في صناديق الاقتراع أو في الشارع.