يبدو أن السياسة الروسية تشبه الدب الروسي الذي يتصف بأنه بطيء رد الفعل وصبور ويحتمل الاستفزازات لكنه عندما يبدأ رد فعله يحطم الأخضر واليابس ولا يستثني شيئاً، ويكاد المشاهد يندهش من وضعيته قبل رد الفعل البليدة المتخاذلة وبعدها تلك السريعة النارية.
لعل هذا هو موقف السياسة الروسية تجاه الأحداث في سورية طوال الأشهر الخمسة الماضية. حيث استمرت هذه السياسة في مهادنتها للسلطة السورية منذ بدء الأحداث، وكانت تصر على تبني السياسة السورية وخاصة القول بوجود عصابات مسلحة ومندسين وسلفيين وعملاء للخارج، وتقول إن الرئيس الأسد بدأ الإصلاحات وفي نفس الوقت منعت السياسة الروسية مجلس الأمن الدولي من اتخاذ أي قرار إدانة أو شجب أو حتى لوم للسلطة السورية أو مطالبتها بعدم استعمال القوة المفرطة ضد المحتجين والمتظاهرين رغم المحاولات الأميركية والأوروبية الحثيثة والكثيفة والمتكررة.
وفي الأسبوع الماضي ودفعة واحدة وافقت السياسة الروسية على صدور بيان من رئيس مجلس الأمن يستنكر سياسة السلطة السورية تجاه مظاهرات الاحتجاج وتجاه شعبها، ويطالبها بوقف العنف، ويكلف الأمين العام للأمم المتحدة تقديم تقرير خلال أسبوع من تاريخ صدور القرار إلى مجلس الأمن عن مدى استجابة الحكومة السورية لمعطيات البيان، وبعد يوم واحد من قرار مجلس الأمن صرح الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف (أن الأسد يحتاج إلى تنفيذ إصلاحات بصورة عاجلة والتصالح مع المعارضة واستعادة السلام وإقامة دولة حديثة وإذا لم يفعل ذلك فسيواجه مصيراً حزيناً).
من الملاحظ أن هذا الموقف بعيد نسبياً عن تقاليد التخاطب بين رؤساء الدول، بل وبين الدبلوماسيين، ولا يختلف عن موقف سياسة الإدارة الأميركية إلا بأن الأخيرة اعتبرت الرئيس الأسد لم تعد له الشرعية اللازمة ويمكن الاستغناء عنه وأن وضع المنطقة سيكون أفضل بدونه، وقد تسرب أن اتفاقاً أميركياً روسياً عُقد حول موقف مجلس الأمن من السلطة السورية تضمن أن تقوم روسيا بإنذار الرئيس الأسد خلال أسبوع كي يوقف العنف ويبدأ إصلاحات حقيقية مقابل أن لا يتخذ مجلس الأمن قراراً بهذا الشأن ويكتفي ببيان رئاسي، ولذلك كانت الفقرة الأخيرة من البيان تنص على مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم تقرير إلى مجلس الأمن خلال سبعة أيام يبين مدى استجابة الحكومة السورية إلى مطالب المجلس، وقد رشح أن روسيا أنذرت السلطة السورية فعلاً بهذا الموقف الجديد.
ترى أوساط دبلوماسية في دمشق أن الموقف الروسي الداعم لممارسات السلطة السورية وسياساتها يعود لأسباب (براغماتية)، منها وعد إيران لروسيا بشراء أسلحة روسية لصالح سورية بملياري دولار، فضلاً عن الضغوط الإيرانية الدبلوماسية والاقتصادية إضافة إلى أن السياسة الروسية كانت تتطلع إلى تطور العلاقات الاقتصادية مع سورية وتأخذ في اعتبارها خاصة الخدمات البحرية التي تقدمها سورية لأسطولها العسكري وتسهيل تواجدها في المياه الدافئة وغير ذلك. ويرون أن هذه هي الأسباب التي جعلت الموقف الروسي متواضعاً بشدته تجاه الممارسات السورية، أما أسباب موقفها في الأسبوع الأخير وموافقتها على قرار مجلس الأمن وتصريحات الرئيس الروسي ميدفيديف المتشددة واحتمال موافقتها على أن يُقر المجلس في جلساته المقبلة عقوبات ضد السلطة السورية فإن هذا يعود لأسباب عديدة منها أسباب داخلية .
حيث تعاظم نقد الصحف الروسية لسياسة بلادها في هذا الأمر وتكررت إشاراتها إلى الصداقة التاريخية بين الشعبين الروسي والسوري ومطالبتها حكومتها باتخاذ موقف آخر أكثر تصلباً وردعاً، فضلاً عن مواقف أوساط المجتمع المدني الروسي والأحزاب السياسية المماثل لموقف الصحف، وعلى النطاق الدولي يقال إنه قد تم التوصل إلى اتفاق أميركي روسي تساعد فيه الإدارة الأميركية السياسة الروسية جزئياً في جورجيا وأوكرانيا مقابل تغيير الموقف الروسي من الأحداث السورية.
يتوقــع المراقبــون أن يكون للموقف الروسي تجاه السياسة السورية الداخلية تأثيراً كبيراً، ذلك أن روسيا هي المورّد الوحيد للأسلحة وقطع التبديل إلى سورية، ومازال الجيــش الســوري يتبنى العقيدة الروسية في القتال، إضافة إلى تسلحه الكامل بالسلاح الروسي، وقد زودت روسيا سورية في السنوات الأخيرة بصواريخ أرض-أرض دفاعية قصيرة المدى قادرة على ردع إسرائيل، ويقال إنها زودتها بصواريخ بعيدة المدى. وطالما كانت سورية دائماً، وحتى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، تستقوي عسكرياً بروسيا، مما كان يعمّق الحذر لدى إسرائيل.
هذا إضافة للعلاقات الاقتصادية بين البلدين فروسيا هي التي بنت المشاريع الكبرى في سورية كسد الفرات والسكك الحديدية والعديد من المشاريع. ومن هنا يأخذ الموقف الروسي أهميته، إلا إذا كانت السلطة السورية قد أحرقت سفنها وسافرت في طريق اللاعودة داخلياً وخارجياً، وهذا ما يتوقعه قسم كبير من المراقبين، منطلقين من أن السياسة السورية لم تتراجع قيد أنملة عن ممارساتها خلال الأشهر الخمسة الماضية، ولم تهتم لا بالرأي العام الدولي ولا بالعقوبات الدولية.
يغلق الموقف الروسي الجديد الطوق حول سياسة السلطة السورية الذي رسمته المواقف الأميركية والأوروبية والتركية وموقف دول مجلس التعاون الخليجي، وأخيراً موقف الجامعة العربية، ولا شك أن السلطة السورية لم تكن سعيدة بهذا الموقف ولا بالمواقف الأخرى، إلا أنها كما يبدو تؤمن بقدرتها على مواجهة هذه المواقف كلها والتغلب عليها.