إلى أن يتقرر مصيره ومآله النهائي قضائياً، سيبقى الرئيس السابق حسني مبارك في حالة اندهاش لا يتوقف، متسائلاً لماذا لم تهرع الولايات المتحدة إلى نجدته؟ ولماذا عجزت آلة سلطته الجبروتية عن إنقاذه من دوامة انتهت به إلى قفص اتهام؟

على خلفية فوران شعبي متصاعد في الشارع المصري، كان الرئيس على رأس فريق من رموز الشخصيات الأمنية العليا في غرفة القيادة السرية الكائنة في وزارة الداخلية، يصرف أوامر ساخنة باستخدام الرصاص الحي، واثقاً من أن الإدارة الأميركية ستتدخل عند لحظة فاصلة على نحو أو آخر، لفرض سيطرة حاسمة على الوضع في مصر بما ينقذ الرئيس ونظامه.

وحتى بعد أن اتخذ قراره بالتنحي عن منصبه بغرض احتواء المد الثوري الجماهيري، كان يحدوه أمل بأن من المستحيل في كل الأحوال أن تتركه واشنطن لوحده، فـ«سحابة الصيف» سوف تنقشع ويعود الهدوء إلى الشارع، بما يتيح للرئيس العودة إلى سلطته بفضل القوة الدولية العظمى التي لا تُقهر.

لكن المشهد الجماهيري أخذ في التفاقم، منذراً بالثبور وعظائم الأمور، مبدداً آمال وأحلام الرئيس المصري، دون أن تتحرك القوة العظمى، فبقيت حالة الاندهاش المؤلم المنطوية على تساؤل كبير.

تساؤل الرئيس عن التقاعس الأميركي لنجدة حليف إقليمي، ليس من دون منطق. فعلى ثلاثة عقود زمنية متصلة، ظل الرئيس مبارك متفرغاً تماماً لخدمة إسرائيل وأمنها، عن طريق استرضاء الإدارات الأميركية المتعاقبة، من خلال سياساته الداخلية والخارجية على حد سواء.

داخلياً، كانت الأجندة السياسية للنظام محصورة في القمع المنظم لكل بادرة شعبية، يشتبه في أنها تمثل معارضة ما ضد إسرائيل ونفوذها التوسعي في العالم العربي. وعدا تسيير السلطة الأمنية القمعية وفقاً لقانون الطوارئ، الذي امتدت ممارسته على مدى ثلاثين عاماً، كان للنهج القمعي الوحشي وجه اقتصادي.

فقد رسمت السياسة الاقتصادية على أساس مبدأ جعل الفقراء يزدادون فقراً والأغنياء يزدادون غنى. وعلى هذا النهج انحسرت الطبقة الوسطى التي تتكون من أهل الفكر والمهن الرفيعة، من معلمين ومحامين وإداريين وأطباء.. إلخ. فأصبح الوعي الوطني محاصراً في إطار الهموم الصغيرة للمعيشة اليومية.

وفي المقابل نشأت بالتدريج شريحة طبقية من مليونيرات ومليارديرات، مستفيدة من وسائل طفيلية في مقدمتها برامج خصخصة مئات من شركات ومؤسسات القطاع العام، كانت تباع بسعر التراب لشخصيات تربطها برموز النظام صلات قربى أو صداقة. ويقوم هؤلاء المحظوظون ببيع ما اشتروه من شركات أو مؤسسات إذا أرادوا ربحاً سريعاً، أو مواصلة تشغيلها إذا أرادوا أرباحاً مضاعفة على المدى الطويل.

ظاهرياً، يبدو الأمر وكأنه مشروع للفائدة المادية لشريحة محددة من الشخصيات الموالية للنظام، لكن الأمر كان أدهى وأمر. فالهدف البعيد كان توسيع دائرة الفقر على المستويات الشعبية العريضة، من أجل سلب الفئات الشعبية من أي شعور بالكرامة الذاتية اللازمة للنهوض الاحتجاجي ضد النظام.

أما على الصعيد الخارجي، فإن مصر في عهد النظام السابق فقدت كل عنصر من عناصر السيادة الوطنية، بعد أن صارت سياستها الخارجية جزءاً لا يتجزأ من السياسة الدولية الأميركية.

وللإنصاف، ينبغي أن نقول إن التفريط في السيادة الوطنية ومقوماتها بدأ منذ إنشاء معاهدة السلام المصرية مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة، في عهد الرئيس السادات عند نهاية عقد السبعينات، لكنه كان من الواضح أنه فور اغتيال السادات في عام 1981، كان الثنائي الأميركي - الإسرائيلي يراهن على شخص حسني مبارك ليكون الزعيم البديل المناسب.

ويسجل التاريخ أنه بعد تشييع جنازة الرئيس القتيل، عقد رئيس الحكومة الإسرائيلية مناحيم بيغن ووزير الخارجية الأميركية هنري كيسنجر، اجتماعاً مع نائب الرئيس المصري حسني مبارك خلف أبواب مغلقة، أعلن بعده أن الولايات المتحدة وإسرائيل «تباركان» صعود مبارك على منصب السلطة العليا.

هكذا ومنذ الوهلة الأولى ألغي دور مصر كأهم رقم في معادلة الصراع العربي ـ الإسرائيلي. فقبل أن يكمل مبارك عامه الثاني في منصبه الرئاسي، قامت إسرائيل للمرة الأولى في تاريخ الصراع، باحتلال عاصمة عربية علناً. كان ذلك عندما شنت قوات وزير الدفاع الجنرال آرييل شارون، هجوماً كاسحاً على الأراضي اللبنانية في صيف عام 1982، واحتلت الدبابات الإسرائيلية العاصمة العربية بيروت.

ولاحقاً كانت «مصر مبارك» شريكاً فاعلاً مع إسرائيل في حرب إسرائيلية وحشية على قطاع غزة، وما تبع هذه الحرب من حصار خانق على أهل القطاع. وبلغ الأمر بالنظام أن الأجهزة الأمنية كانت تشن حملات اعتقال منظمة على ناشطين مصريين، بسبب تنظيم عمليات لجمع تبرعات لصالح القضية الفلسطينية، واحتجازهم في السجون لأمد غير محدد.

بعد هذا السجل الحافل لخدمة الاستراتيجية الأميركية ـ الإسرائيلية، ربما يحق للرئيس مبارك أن يندهش تجاه تقاعس الولايات المتحدة عن نجدته على نحو أو آخر. لكنه في ما يبدو، لا يدرك رغم خبرته الطويلة في شؤون الحكم، أن للقوى العظمى حسابات دقيقة تعرف من خلالها متى تتوقف عن مساندة حليف إقليمي. فبالرغم من أن واشنطن متوجسة من ثورة الشارع المصري وتداعياتها وتفاعلاتها الخطيرة، إلا أن مبارك صار من وجهة نظرها ورقة محترقة.