مرت خلال هذا الأسبوع ذكرى مناسبتين مهمتين، تتعلقان بحدثين مأساويين حصلا في نهاية الحرب العالمية الثانية، وتركا ندبتين عميقتين في الضمير الإنساني. وقد جرى إحياء ذكراهما في حفلين مهيبين غمرهما الحزن وظللهما الأمل؛ حفل في مدينة هيروشيما وآخر في مدينة ناغازاكي، المدينتين اليابانيتين اللتين اكتوتا بجحيم الأسلحة النووية. مناسبتان لا ينبغي للبشرية أن تمحوهما من ذاكرتها، كي تبقى بشاعة الحروب حاضرة في الأذهان، ويبقى مطلب التخلص من كافة الأسلحة النووية على رأس المطالب التي توحد البشرية.
الحديث عن السلاح النووي لا ينفصل في أذهان معظم الناس، عن الحديث عن الطاقة النووية ومفاعلاتها التي قد تتحول فجأة ودون سابق إنذار إلى سلاح نووي يمطرنا بإشعاعاته القاتلة، فيتحول من صديق يوفر لنا الطاقة الكهربائية بسعر زهيد ويحفظ بيئتنا من التلوث، إلى عدو يشهر في وجهنا قدراته المدمرة التي تعرفنا عليها في المدينتين اليابانيتين.
هكذا كان الحال في إبريل عام 1984 حين انفجر مفاعل تشرنوبل في أوكرانيا، وهكذا صار الحال في مارس الماضي الذي شهد الانفجارات التي حدثت في الموقع النووي الياباني المكون من ستة مفاعلات، في مدينة فوكوشيما اليابانية التي ضربها زلزال مدمر.
بمناسبة الذكرى السادسة والستين لمأساة مدينة هيروشيما في السادس من أغسطس، أعلن رئيس الوزراء الياباني ناوتو كان، أن "اليابان ستقلل مستوى اعتمادها على إنتاج الطاقة النووية حتى تصبح مجتمعاً يمكنه الاستغناء عنها". وفي سياق مماثل، سبق لوزارة البيئة الألمانية أن أعلنت في الثلاثين من مايو المنصرم "إن الحكومة قررت التخلي عن استخدام الطاقة النووية في البلاد، وإيقاف جميع المحطات الكهروذرية بحلول عام 2022".
جاءت كارثة فوكوشيما النووية في وقت يشهد العالم فيه "موجة مد نووية"، أطلق عليها البعض مسمى "العصر الذهبي للطاقة النووية". توجه فيه عدد كبير من دول العالم لوضع الخطط وعقد الصفقات لإنشاء المفاعلات النووية، في مناخ دولي يرحب بذلك تلبية لمطالب بيئيية، لوقف التدمير الذي لحقها بسبب استخدام الوقود التقليدي (النفط والغاز والفحم)، لإنتاج الطاقة الكهربائية من جهة، وبسبب ارتفاع أسعار النفط من جهة أخرى.
والحقيقة أن موقف هاتين الدولتين يثير التساؤل حول مستقبل الطاقة النووية في العالم، فاليابان هي الدولة الثالثة في إنتاج الطاقة الكهربائية عن طريق المفاعلات النووية، حيث يبلغ ما ينتج 47 ألف ميغا واط (30% من الطاقة الكهربائية الكلية)، في حين تحتل ألمانيا المركز الخامس بمقدار ما تنتجه، وهو 21 ألف ميغا واط (22% من الطاقة الكهربائية الكلية).
في هذا السياق تسرع البعض في التكهن بما سيترتب على هذه الكارثة من تداعيات تتجاوز المشهد الياباني، واعتبرها بمثابة شهادة وفاة للطاقة النووية، متجاهلاً حقائق هامة تتعلق ببنية النظام العالمي واستراتيجية بناء اقتصاده. والحقيقة أن الأسباب المتوافرة لهكذا استنتاج، لا يعيرها المختصون كبير اهتمام لأنها ضعيفة، فحادثة تشرنوبل كانت بسبب تقادم المفاعل وعدم خضوع صيانته ورقابته للمعايير الدولية، أما كارثة فوكوشيما فهي بسبب زلزال قوي، وليس بسبب عيب أو نقص في التكنولوجيا النووية.
لنعد الآن لفحص الموقفين الياباني والألماني، للتعرف على مدى جديتهما. فالملاحظ أن اليابان لم تحدد موعداً زمنياً لإغلاق آخر مفاعل، على الضد مما فعلته ألمانيا، وهو ما يدعو للاستغراب حقاً، فكيف تغفل ذلك دولة مثل اليابان يشكل التخطيط للمستقبل وجدوله الزمني الدقيق، أحد أبرز أسباب نجاحها وتبوؤ اقتصادها المركز الثاني في العالم.
من ناحية ثانية، قررت الحكومة اليابانية في الخامس من أغسطس الجاري، قبل يوم واحد من تصريح رئيس الوزراء الذي أشرنا إليه، "الاستمرار في سياستها الخاصة بتصدير التكنولوجيا النووية لأغراض إنتاج الطاقة الكهربائية، وذلك بعد قيامها بإجراء مراجعة لهذه السياسة على ضوء الكارثة النووية التي تعرضت لها البلاد جراء انفجار مفاعل فوكوشيما في مارس الماضي".
وهو موقف يتكامل مع ما أعلنه رئيس الوزراء في حالة واحدة فقط، وهي أن تصريحه لا يعبر عن تغير في استراتيجية الدولة في ما يختص بالتكنولوجيا النووية، وإنما لتهدئة الخواطر وامتصاص الغضب الشعبي لإخفاقها في التعامل مع الكارثة.
إن ما صدر عن ألمانيا واليابان من نوايا أو قرارات، لا يمكن وضعها موضع التنفيذ فوراً أو في بحر مدة قصيرة، فهي قابلة لإعادة النظر فيها من قبل من اتخذها، أو من قبل من تأتي به صناديق الاقتراع في سياقات تداول السلطة. هذه القرارات قد تأتت بالدرجة الأولى لأسباب سياسية محضة، مراعاة لمزاج وأهواء الشارع الذي تتلاعب بعواطفه ومواقفه الأحداث الآنية، وتلزم السياسي البراغماتي، والحزب الذي ينتمي إليه، بمراعاتها للحفاظ على موقعة في الخارطة السياسية.
فمن المشكوك فيه أن يقتنع واضعو الاستراتيجيات في هذين البلدين، بأن التخلي تماماً عن الطاقة النووية لن يؤثر سلباً على موقع بلديهما المتميز في الاقتصاد العالمي من جهة، ومن المشكوك فيه كذلك، أن يقتنع هؤلاء بأن الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، رغم أهمية التوسع في استخداماتها، هي الخيار الاستراتيجي البديل من جهة أخرى.
والحقيقة أن قضية الطاقة هي أخطر القضايا التي تواجه العالم، في وقت يقترب فيه عصر النفط من الأفول، وتتعزز القناعات بأن الطاقة النووية وليس غيرها هي البديل. فهناك 442 مفاعلاً نووياً تعمل في الوقت الحاضر على إنتاج 375 ألف ميغا واط (ما يزيد على 16% من الطاقة الكهربائية الكلية في العالم)،.
وهناك 65 مفاعلاً قيد الإنشاء لإنتاج 63 ألف ميغا واط من الطاقة الكهربائية، وهنالك 276 مفاعلا مخططا لإنشائها في المستقبل، في عدد من دول العالم أبرزها: الولايات المتحدة والصين والهند. هذا إضافة إلى وجود ما يزيد على الأعداد المار ذكرها، من مفاعلات تستخدم في البحث العلمي أو في تزويد السفن وحاملات الطائرات والغواصات بالطاقة.
لقد قطع العالم شوطاً بعيداً في هذا الطريق، وأوشك أن يوصل التكنولوجيا النووية إلى درجة تقرب من الكمال، ولن يتوقف لأنه تعثر مرة أو مرتين.