بداية، لا بد من إدراك محددات الأزمة المالية التي تعصف بالعالم اليوم، والتي بدأت بخفض التصنيف السيادي للولايات المتحدة الأميركية وخسارتها تصنيفها الائتماني الممتاز من قبل وكالة ستاندر اند بورز، وعليه أفقدها مؤشراً لم يتغير منذ عام 1917 .
عندما حصلت الولايات المتحدة على تصنيف الامتياز من قبل وكالة رودييز، والذي يعطي الدول مقدرة أكبر على الاقتراض بأقل التكلفة، لأنه مؤشر استقرار سياسي واستثمار آمن لدى الدول. الحقيقة أن مؤسسات التصنيف لم تكن يوما موضوعية بشكل مطلق، وهذا يؤكده ما قبل أزمة 2008 المالية عندما أعطت التصنيف الائتماني الممتاز لمؤسسات مالية تفتقر للسيولة مثل ليمان براذر.
كما يغلب عليها الجانب السياسي. ففي مطلع الثمانينيات تم خفض تصنيف اليابان وجعلها أقل من ايرلندا، مع شاسع الفرق في الأداء الاقتصادي والمالي للدولتين، كما أن فيه إجحافا بأداء الاقتصاد الياباني، وفق أغراض سياسية تستهدف العملاق الياباني، بالإضافة إلى أن هذا التصنيف مرفوض اقتصاديا، كونه يقوم فقط على تحليل مديونية الدولة، بعيدا عن مديونية مؤسساتها المالية والعقارية وقطاعها الخاص بشكل أدق. إن هذه الأزمة ليست أزمة مالية بقدر ما هي "أزمة إدارة مالية".
فالكل يدرك أن هناك غموضاً حول إمكانية تجاوز حالة الكساد من عدمه، إلا أن بعض القرارات زادت ذلك الغموض غموضاً. وكانت بداية تلك القرارات عالميا مع التضييق على المصارف بقرارات سياسية وليست اقتصادية، مما شل أداء النظرية المالية القائمة على تصور أداء مصرفي جيد، يعني تحقيق أرباح مصرفية وقدرة أكبر للمصارف على إقراض القطاع التجاري لخلق فرص العمل.
فالقرارات الأميركية شابها غياب خطابات الثقة، والتي أتت متأخرة من قبل الرئيس الأميركي باراك أوباما، كما تأخر كثيرا قرار الخزانة الأميركية بإعلان التوقف عن طباعة الدولار، والذي كان متوقعا في شهر يونيو من هذا العام، وكان بمقدوره زيادة سعر الدولار وخفض ارتفاع سعر الذهب الذي بلغ مستويات أفقدته أهميته، فهو اليوم لا يخضع لنظرية العرض والطلب.
كما كان الحال قبل ثلاثة أعوام، عندما كانت قيمته لا تتجاوز 250 دولارا للأونصة. ولكن اليوم تغذيه مدخلات عدة، منها ضعف الدولار وضعف أداء البورصات، والقلق العالمي لطول أمد انخفاض سعر الدولار، أو المناسبات الاجتماعية؛ فالإعداد لاحتفالات ديوالي الهندية تدفع الهنود للشراء اليوم بسعر 1700 دولار، ومن يشتريه ليس البنوك المركزية، بل المحافظ المالية والمستثمرين. وأخيرا اختلاق أزمة مالية حقيقتها سياسية، حول موضوع رفع سقف الدين الأميركي من عدمه، زادت من حالة التوتر وعدم الثقة.
كما جاءت القرارات الأوروبية على نحو مخيب للآمال، بداية باليونان التي لم تحصل على الدعم الكافي منذ البداية، ولم تفلح خططها التقشفية في خفض الدين أو حتى دفع فوائد الديون، بل تم تقييد قدرتها على انتقاء السداد، وتلتها إيطاليا وإسبانيا في معركة عدم رفع سعر الفائدة فوق 7% على ديونهما.
وكل ذلك كان مؤشرا على غياب آلية مالية تجمع 17 دولة أوروبية، تتعامل باليورو من بين 27 عضوا للكيان الأوروبي. اليوم يصحو الغرب ليكتشف أن خططه لم تضع في أجندتها إنعاش الاستهلاك، وهو جوهر الانتعاش الاقتصادي، كما لم تأت خطط التقشف بسداد أكبر للديون، بينما تميز أداء القوى الاقتصادية الناشئة بقوة استهلاكية أكبر.
حيث تشهد نموا في الاستهلاك، فالبرازيل مثلاً ارتفع العقار فيها قرابة 80%. أما ما نشاهده من هبوط للأسهم العالمية فسببه ليس التخوف من سقوط الاقتصاد الأميركي، ولكن وراءه زيادة مديونية الشركات وحاجتها للسيولة التي لم تجدها لدى المصارف، لذلك كان لزاما عليها تسييل موجودها من الأسهم.
الحل هنا يكمن في ضرورة خروج المصارف العالمية في إجازة نقاهة، ليس خارج دولها وإنما خارج اتفاقية بازل المصرفية، لتتمكن من تحقيق ممارسات أكثر مرونة. أما الأمل فهو في انتظار انتخابات 2012 الأميركية، وقدوم إدارة ومشرعين جددا أكثر قدرة على تغيير دفة الاقتصاد العالمي.
والواقع أن أميركا ما زالت الأكثر أمناً لاستثمار سندات الخزانة الأميركية، كونها قادرة على الحصول على القروض بفائدة مخفضة جدا، وذلك لأسباب منها الطلب على الدولار والذي يشكل 85% من التبادل التجاري العالمي، ومقدرة الولايات المتحدة على طباعة النقود دون غطاء من الذهب، وأخيرا الضرائب الأميركية الممتازة.
وفي الختام فإن انعكاسات الأزمة الأميركية على العملات العالمية المرتبطة بالدولار الأميركي، والتي لا تتجاوز خمس عشرة عملة، تعد محدودة وتتمثل في انخفاض أسعار النفط عالمياً، باستثناء جمهورية مصر العربية، لعدة أسباب أولها عدم حصولها على الدعم الموعود به، وثانياً غياب تغير جذري لقرارات مالية حساسة، وعلى نحو أدق؛ عدم تغير استراتيجيات القيادة الاقتصادية بشكل حقيقي، بخصوص عدد من المواضيع الاقتصادية (الحد الأدنى للأجور - ضريبة الدخل ـ مواضيع الدعم الحكومي ـ سيطرة القوات المسلحة على 20% من الاقتصاد).