من الواضح أن المظاهرات والاعتصامات التي عمت إسرائيل طوال الأسابيع الثلاثة الماضية، تأثرت كثيرا بما يجري في العالم العربي. فالمظاهرات رفعت شعار "الشعب يريد العدالة الاجتماعية" وشعار "الحكومة تخلت عن الشعب".
وقد بدأت تلك المظاهرات هي الأخرى على مواقع الشبكات الاجتماعية مثل الفيس بوك. ووصفت الصحف الإسرائيلية المظاهرات التي اندلعت في ميدان متحف الفنون في تل أبيب، بأنها "ميدان التحرير" بالنسبة لنتنياهو. بل إن الأكثر طرافة من ذلك، هو أن ردود فعل نتنياهو إزاء المظاهرات، كانت في بلادتها شبيهة ببعض ما جرى أثناء الثورة المصرية.
لكن المظاهرات الإسرائيلية، كما يقول نشطاؤها، ليست من أجل إسقاط النظام، وإنما هي مظاهرات لإصلاح الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية، للشباب بالذات الذين لا يجدون لأنفسهم مستقبلا، بسبب السياسات النيوليبرالية التي قوضت اقتصادات كثيرة، منها الاقتصاد الأميركى بالمناسبة.
فبفضل سياسات اليمين الإسرائيلى عبر سنوات طويلة، ازدادت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وانتعشت الاحتكارات الاقتصادية، وارتفعت نسبة الفقر حتى وصلت إلى طفل من بين كل ثلاثة أطفال. وقد تأثرت الطبقة الوسطى الدنيا تحديدا، بتقليص الإنفاق على الخدمات الاجتماعية.
والمظاهرات كانت تحتج على الأعباء الثقيلة الملقاة على عاتق الأطباء في المستشفيات العامة التي تعاني من خفض النفقات، وعلى ارتفاع أسعار إيجارات المساكن بالنسبة للشباب حديثي التخرج.
كما كانت احتجاجا على تدهور مستوى المدارس العامة وانخفاض النفقات الموجهة إليها، وعلى تدهور الطرق والمواصلات العامة، فضلا عن ارتفاع الأسعار بشكل عام. ومرة أخرى، كما كان الحال في مصر، وكل الدول التي تتبع سياسات نيوليبرالية، فإن الحديث عن معدل نمو مرتفع يخفي وراءه توزيعا بائسا للدخل يزيد الفجوة بين الفقراء والأغنياء.
لكن تلك المشكلات التي تظاهر الإسرائيليون من أجل حلها، لها بعد إضافي يظل غائبا حتى الآن عن المظاهرات. فما يجري داخل إسرائيل، ليس فقط ناتجا عن سياسات اليمين، وإنما له علاقة مباشرة بسياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين.
ففي الوقت الذي تخفض فيه الحكومات الإسرائيلية الإنفاق العام على الخدمات الاجتماعية، فإن أكثر من سدس الميزانية الإسرائيلية مخصص للإنفاق العسكري.
وإسرائيل أنفقت على المستوطنات ما يزيد عن 200 مليار دولار، هذا ناهيك عن نفقات تأمين تلك المستوطنات.
والارتفاع في الميزانية العسكرية المخصصة للإبقاء على الاحتلال ونهب الأراضى، يقابله خفض في الإنفاق على الخدمات الاجتماعية داخل إسرائيل. أما الإنفاق على المستوطنات فهو يتزامن مع تأجيل مشروعات الطرق والمواصلات، في إسرائيل نفسها.
بل أكثر من ذلك، فإن مشكلة ارتفاع نفقات الإسكان العادي التي يعاني منها الشباب، ليس سببها فقط السياسات النيوليبرالية، وإنما تتسبب فيها أيضا سيطرة "هيئة أراضي إسرائيل"، والتي تدير أرض "الشعب اليهودي"، حتى لا يتسنى للفلسطينيين شراء الأرض والتوسع في بناء المساكن في الأرض المحتلة.
لكن حكومات اليمين، التي تحكم بالأيديولوجيا لا بالسياسة، تتجاهل مطالب الطبقات الدنيا، وتعطيهم بدلا منها جرعات جديدة من الشوفينية. فهي تصدر قوانين متعلقة بما يسمى بالولاء لإسرائيل، بينما الحقيقة أنها قوانين فاشية تطلب الولاء. "للسياسات" العنصرية للحكومة تجاه الفلسطينيين وتحظر معارضتها. وفي الوقت الذي تخفض فيه الإنفاق على المدارس العامة، فإن حكومة نتنياهو تعمل بكل جدية لزيادة جرعة الصهيونية في المناهج الدراسية للنشء.
لكن رغم كل ما تقدم، فإنه لا وجه على الإطلاق للمقارنة بين ما يعاني منه الإسرائيليون وما يعاني منه الفلسطينيون. فالإسرائيليون يعانون من سياسات حكومية بائسة، أما الفلسطينيون فيعانون الحرمان من حقهم في الحياة.
فعلى سبيل المثال، حين أعلن المتظاهرون الإسرائيليون مسبقا عن خروجهم في مظاهرة كبرى ليلة السبت الماضي، أغلقت الشرطة بعض الطرق ونصحت الناس بعدم التوجه للمنطقة بسياراتهم. لكن الجيش الإسرائيلي لم يطلق أسلحته في وجه المتظاهرين كما يفعل مع الفلسطينيين.
وفي الأرض المحتلة يعاني الفلسطينيون أيضا مشكلة إسكان، لكنها ليست مشكلة إيجار مرتفع، وإنما هي مشكلة منزل يتم هدمه أو يحظر عليك توسيعه، أو تعيش مهددا بإزالته لو أنك قمت بتوسيعه دون تصريح لا يأتي أبدا.
ومشكلة الطرق عند الفلسطينيين هي مشكلة الحرمان من الحق في التنقل أصلا، بل والإذلال عند الحواجز ونقاط التفتيش. أما بالنسبة للتعليم، فالمشكلة ليست محدودية الإنفاق، وإنما هي الحرمان أصلا من الانتظام في المدارس، بل والوصول إليها.
ورغم الفارق الهائل بين ما يعاني منه الفلسطينيون وما يعاني منه الإسرائيليون، إلا أن ما يعاني منه الفلسطينيون يقع في القلب من مشكلات الإسرائيليين. وما لم يدرك الإسرائيليون أنهم يدفعون ثمن معاناة الفلسطينيين، فإن مظاهراتهم لن تحقق نجاحا يذكر. فحتى هذه اللحظة يطالب الإسرائيليون بالعدالة الاجتماعية، بمعزل كامل عن قضية الاحتلال.
بل إن عددا من المستوطنين انضموا للمتظاهرين، باعتبار أن معاناتهم هي نفسها معاناة باقي الإسرائيليين. ونتنياهو يعتقد أن الوقت في صالحه، إذ سرعان ما سيتمكن من صرف انتباه الإسرائيليين، عبر التركيز على مسعى الفلطسينيين في الأمم المتحدة الشهر القادم.
ومن هنا، ما لم يدرك الإسرائيليون أن الاحتلال مسؤول مسؤولية مباشرة عن الأوضاع التي يحتجون عليها، وما لم يدركوا أنه لا يمكن لموقفهم تجاه ما يجرى من ظلم اجتماعي داخل إسرائيل، أن تكون له قيمة أخلاقية يحترمها العالم دون الاعتراف بالظلم الواقع على الفلسطينيين، فإن تلك المظاهرات محكوم عليها بالفشل. فما أسهل أن يخترع اليمين الإسرائيلي معركة مع الفلسطينيين أو مع لبنان، ثم يعلن التعبئة بموجبها، باعتبارها تمثل تهديدا وجوديا لإسرائيل، على طريقة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"..