تسجل محاكمة الرئيس المصري السابق (المخلوع) حسني مبارك وبعض أعوانه، سابقة فريدة من نوعها في العالم العربي. جُلب الرئيس السابق إلى قفص الاتهام في قاعة المحكمة، رغماً عن حالة الوهن الصحي التي يمر بها.

ذلك مؤشر على الإصرار على تطبيق العدالة حسب مطلب الجماهير، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى. تُعد هذه فاتحةً وعبرةً لقادة لم يزالوا في الحكم، منهم باقون متمكنون ومنهم على وشك الرحيل بفعل الضغط الشعبي المتصاعد، وحتى التدخل الخارجي.

انقسم المراقبون والمهتمون بشأن المحاكمة، مما يؤدي إلى سهولة الطعن والتشكيك فيها وفي نتائج قراراتها المتوقعة. خارج قاعة المحكمة اشتبك أنصار الرئيس السابق مع المناوئين له، بالرغم من الحضور الكثيف لقوى الأمن.

من الجماهير من يريد إنصاف الحق والعدالة بإنزال أقصى العقوبات الممكنة، وقلة من الشعب من يطالب بإنصاف الرئيس بالعفو عنه، وربما إعادته وأسرته الحاكمة إلى سدة الحكم من جديد (!). ذلك ما يؤثر سلباً على عمل طاقم المحكمة وتطبيق القرارات الحاسمة التي قد تصدر عنها.

التهمة الأولى الموجهة للرئيس السابق، هي إزهاق أرواح أفراد من الشعب تظاهروا مطالبين بإسقاط النظام. التهمة الثانية؛ التصرف بلا مسؤولية تجاه إهدار الأموال العامة. التهمة الثالثة مبنية على الفساد والمحاباة حسب العلاقة العائلية أو الشخصية.

هنالك الكثير من التهم الأخرى المنبثقة والمتفرعة عن السابقة. هذه مجموعة من التهم "الروتينية"، كان المواطن العادي بالأمس القريب لا يجرؤ حتى على أن يحلم في يقظته أو في منامه بالمطالبة بها. الوصول بهذه التهم إلى قاعة محاكمة لرئيس بهذا المستوى، أتت بعد ثورة عارمة وبذل جهود جبارة وتقديم ضحايا بالآلاف من الشهداء والجرحى.

ينكر المتهمون التهم الموجهة إليهم وبشكل مكشوف وثقة زائدة. قد يكون المتهمون على شيء من الحق، على الأقل. هنالك حالة من التحريض والتضخيم الإعلاميين، صاحبت حركة الاحتجاج التي أدت إلى إسقاط النظام السياسي الحاكم، وخلع الرئيس.

منذ البداية وجهت وسائل الإعلام تُهماً غير مثبتة بشأن التصرف إزاء المال العام. في تلك الاتهامات وصلت ثروة الرئيس السابق وبعض المقربين منه إلى أرقام فلكية. ثروة فاقت حتى ثروة أثرى أثرياء العالم، من دولة تُعتبر من الدول النامية المنقوع أبناؤها بالفقر، رغم ضخامة مصادر ازدهار اقتصادها.

المواطن المصري خصوصاً، والعربي عموماً، يقف أمام عهد جديد في محاسبة رئيسه، عن أي انتهاكات وطنية أو شخصية أو إنسانية. من الآن فصاعداً، بات على الزعماء الكبار المعصومين المحصّنين ضد المساءلة، أن يبدؤوا في قياس وحساب وتقدير وتقييم خطواتهم. تقييمها أثناء التوجه إلى العمل، وخلال القيام به، وبعد الانتهاء منه والذهاب إلى البيت (القصر) للراحة والنوم. أفاق الشعب العربي على نفسه وبدأ يحسب كل خطوات مسؤوليه ويحاسب عليها. بدأ يُدخِل في الحسبان مساءلة مسؤوليه، كباراً وصغاراً، بسؤال بسيط: "من أين لك هذا؟!".

يأمل المواطن العربي عموماً، أن تنجح محاكمة الرئيس المصري السابق مبارك في وضع النقاط على الحروف في كثير من القضايا الحساسة. ذلك بدءاً بطريقة الوصول إلى السلطة، وانتهاء بتوريثها، مروراً بإهدار المال العام وسوء التصرف حيال مقدّرات وقضايا الأمة والأوطان. المعروف عن الرئيس المخلوع، أنه كان يحابي الأجانب والغرباء وحتى الأعداء، على حساب بني وطنه وقومه وأمته.

بات على المسؤول العربي أن يعلم أن القانون والعدالة يجب أن يُطبّقا عليه أولاً، قبل البدء بتطبيق النظام والقانون والعدالة على رقاب الغير من أبناء الشعب.

المسؤولون من رتبة رئيس وزراء فما دون، عليهم البدء بمحاسبة الذات، والتصرف النزيه حيال القضايا، قبل أن تمتد إليهم يد عدالة الجماهير المغبونة. ذلك حتى لو أُدخلوا إلى قاعات المحاكمات فوق حمّالات طبية، بغية استدرار تعاطف المغفلين أو السذّج أو ذوي الذاكرات المثقوبة.