إن المجالس النيابية من أهم ملامح ثقافة الشعوب وجماع إرادتها، ولا شك أننا نعيش لحظات فارقة في تاريخ وطننا، تتطلب مواصفات خاصة في أعضاء المجلس الوطني، تتوافق وطبيعة المرحلة والتحديات التي نواجهها. فلأول مرة في دولة الإمارات تتسع دائرة الانتخابات لتشمل قطاعا عريضا من المواطنين من الجنسين، ليقوموا إما بترشيح أنفسهم لعضوية المجلس الوطني الاتحادي، أو التصويت لينتخب كل منهم ممثلا عنه يتكلم باسمه.
لذا نحن نريد نفرا من هؤلاء الذين يُعلون المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، والذين يتعدى كرسي المجلس بالنسبة لهم المظهرية الاجتماعية للعمل الحقيقي، نواب يلتحمون بأبناء الشعب ويمثلون حلقة الوصل بين القيادة السياسية وأفراد الشعب، ليستشعر المواطن أن هناك من يستمع إليه ويشاركه أفراحه وأتراحه، نريد نوابا ينزلون من أبراجهم العاجية ويسيرون بين الناس، يطببون جراحهم ويخففون من أوجاعهم. وهنا وجب التحري، فكيف للعاجز عن إدارة مسؤولياته الصغيرة، أن يشارك في إدارة أمور وطن؟ وكيف بمن أهمل شؤون أسرته أو عق والديه وأساء السلوك معهما، أن يكون أمينا مع أبناء وطنه؟.. والأمثلة كثيرة.
كما أن النائب الذي نريده، فضلا عن إخلاصه وحبه لتراب وطنه، لا بد أن يكون صاحب فكر، ويجب أن يتم اختياره بناء على نجاعة برنامجه الانتخابي ورؤيته لمستقبل هذا الوطن، وتاريخه المبني على ما قدمه له ولخدمة أبنائه.
فالعمل بين الناس وللناس له الأكفاء وله القادرون عليه، والذين يقدمون صنيع الخير لهم، دون أن يمنوا عليهم أو يستنطقوهم لذكر مناقبهم. هؤلاء هم الذين نريدهم ونتطلع إليهم، كما نتطلع أن يستمر وطننا في المقدمة، ولن يتأتى ذلك إلا بمن يعظم من قدراته ويحرس بضمير حي مكتسباته، وليس لذلك سوى طريق واحد، هو أن يكون أعضاء المجلس ضمير الأمة وقلبها النابض، يقولون للمحسن أحسنت وللمسيء عليك بتصحيح اعوجاجك، لما فيه مصلحة للوطن.
ولقد دأبت قيادتنا الرشيدة منذ زمن بعيد، على الاستماع للمواطن مهما كان موقعه، فما بالك بمن وكل إليهم النيابة عن الشعب والمشاركين في صناعة حاضر الوطن ومستقبله، الذين يجب أن يضطلعوا بدورهم في نقل نبض الشارع وما يريده وما يحتاجه، إلى القيادة التي أعتقد أنها تسعى صادقة لأن يقوم أعضاء المجلس بهذا الدور.
ومن هنا يجب بعد كل دورة برلمانية، فتح كشف حساب لكل نائب في المجلس الوطني، ليوضح لنا ما له وما عليه والدور الحقيقي الذي قام به في تيسير حياة الناس، إذا كنا نريد بالفعل أن نتوسع بتجربتنا الديمقراطية، التي ما زالت تحتاج إلى كل الأيادي الأمينة لرعايتها وتعميق جذورها.
والحق أنني من الذين يرون أن الديمقراطية الحقيقية لا تتأتى بقرارات فوقية، فهي في أصلها ثقافة يجب غرسها وتأصيلها في فكر وسلوك أبناء الوطن، وبها تنهض الشعوب، وهي المسبب لكل إبداع والباعث على كل تقدم، ولا يمكن أن تحيى أمة حياة حقيقية بدونها، إلا أنني أجزم بأن التدرج في ترقي الحياة البرلمانية - قبل أن تكون الأفضل والأصوب - هي السياج الذي يضمن لنا استمرارها والسير بخطى ثابتة، دون انتكاس قد يعيدنا إلى المربع الأول.
وهذا التدرج سنة كونية تعلمناها دينا، وعلمتها لنا أحداث التاريخ، والقفزات غير المحسوبة تكون عواقبها وخيمة، فلا خير في خير بعده شر.
إن التغيير قد بدأ بإرادة سياسية، وكانت دولة الاتحاد أحد أهم ملامح التغيير، حيث حدد الدستور قواعد الحكم الاتحادي في ذلك الوقت، ونص على أنه "رغبة في إرساء الحكم الاتحادي على أسس سليمة تتمشى مع إمكاناته وتصون كيان الاتحاد، وإعداد شعب الاتحاد للحياة الدستورية الحرة الكريمة، مع السير قدما نحو حكم ديمقراطي نيابي متكامل الأركان، في مجتمع عربي إسلامي متحرر من الخوف والقلق".
وأكدت ذلك القيادة الرشيدة في اليوم الوطني لدولة الإمارات عام 2007، يوم أن أعلنت عن عزمها على السير قدما على طريق التمكين السياسي وتعميق الممارسة الديمقراطية والوصول بها إلى مقاصدها، بتوسيع نطاق المشاركة وتعزيز دور المجلس الوطني كسلطة تشريعية ورقابية.
وقد يتفق البعض أو يختلف حول حجم التغيير وسرعته، وهل حقق طموحاتنا أم لا، وهذا أمر صحي وجيد، خاصة وأن القفزات الاقتصادية التي أحدثتها دولتنا، جعلتنا نطمح أن تتواكب معها وتصحبها حالة برلمانية موازية، وهذا طموح مشروع للشعوب قاطبة أكده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حين قال "إننا نؤمن بالتغيير للأفضل ونحرص عليه ونشجعه، لأن التغيير صفة من صفات الكون، ومن يغفل عن حقائق الحياة وسنن الوجود لن يجد له مكانا في قطار التقدم السريع".
والقيادة السياسية في يقيني ليست لديها رفاهية التفكير كما المواطن العادي، فهي مؤتمنة على مصير شعب ومقدرات دولة، ولا بد أن تكون خطواتها محسوبة وبدقة والنظر إلى الصورة بشكل أشمل وأوسع.
أكرر أن الديمقراطية الحقيقية ليست وصفة جاهزة يمكن تطبيقها على كل الشعوب، فالتواصل بين القيادة والشعب وإزالة الحواجز بين الحاكم والمحكوم، والإحساس بهموم الشارع وتقديم يد العون للمحتاج، وإعلاء مصلحة الوطن والرغبة الصادقة في توفير الحياة الكريمة للمواطن، هي باب من أوسع أبواب الديمقراطية ومنتهى غايتها، مهما كثرت العناوين والشعارات، ومن الإنصاف القول إن هذا التواصل جزء أصيل من ثقافتنا ورصيدنا الحضاري.
ولا أقول هذا التفافا على حق المواطن في أن يكون مشاركا في تحديد مصيره وملامح مستقبل وطنه، ولكن رغبة في أن تكون للإصلاح آثار ملموسة على أرض الواقع، ما دامت قد توافرت الإرادة السياسية الصادقة، وما دامت معالم الطريق ومحدداته واضحة.
والمجلس النيابي التشريعي الرقابي الذي تتسع صلاحياته دورة تلو الأخرى، آت لا محالة وفق ما رسمته القيادة السياسية، والمطالبة به من مصلحة الوطن والمواطنين حكاما ومحكومين، ولكن خبرنا من أحداث التاريخ أن النوايا الطيبة وحدها لا تكفي، ولكن الوعي قيمة أساسية لا ينبغي إغفالها.
وأؤكد هنا أنه لا بد من إشاعة ثقافة المشاركة بين أبناء الوطن، والخروج من الدائرة الضيقة والاهتمام الشخصي، للمشاركة في الهم العام دون أن تظل قضايا الوطن قاصرة على النخب بعيدا عن تطلعات باقي أبناء الوطن، وأن يكون النواب أنفسهم نماذج يحتذى بها في الترفع عن المكاسب الشخصية أو الانتفاع الذاتي، بما أتيح لهم من صلاحيات أو مكان ومكانة، وأن يضربوا النموذج في الاتفاق على مصلحة الوطن العليا.. وفي يقيني أن ذلك من أهم مؤهلات التمكين.