يبدو أن العالم العربي يمر هذه الأيام بحالة من الفوضى والتمزق أكثر من أي وقت مضى. ومن الملاحظ أن هناك نوعا من الهرج والمرج بدأ يسود الجو العام وهناك شعور مشوب بالحذر والخوف والقلق والانتظار في كل مكان. ولا أحد قادر على تفسير سبب اختلاط الحابل بالنابل هذا في قضية مصيرية خطيرة قد تغير شكل الخارطة العربية من البحر إلى البحر، بعد قرون من السبات الشتوي، في انتظار الربيع الذي طال انتظاره والذي تأملت الشعوب العربية أن يولد من رحم الثورات التي تفجرت فجأة والتي نجحت بقدرة قادر في دولتين ثم توقف قطار الثورات الأخرى في محطة (مكانك سر).
وحيث إن النتائج غير مضمونة فإن تقرير مصير العلاقات واتخاذ المواقف من الدول التي ما زالت تعيش حالة الكر والفر أو لم تحسم مصيرها بعد، يظل أيضاً متوقفا حتى ينجلي الغبار عن الطرفين المتقاتلين.
نحن لا نستغرب حالة الفوضى هذه في الدول التي تعيش حالة الولادة المتعسرة. ويبدو أنها حالة مخاض مزمنة.
فقد تعودت الشعوب العربية على الفوضى في كل شيء. والسبب أنها تتسارع اليوم لكي تغير من أنظمتها لكي تقيم بدلا عنها أنظمة ودولا جديدة حديثة ومتقدمة وديمقراطية. غير أنها لم تدرس كيف تضع الخطوط العريضة لمنهج علمي ومدروس لتغيير أوضاعها أولا ولا لكيفية تحويل التخلف والدكتاتورية إلى تقدم وديمقراطية ثانيا.
فهي تعيش على بركة الله وتترك ناقتها دون أن تعقلها. وتنتظر أن يتولى الله حل قضاياها إن فشلت هي. بل انها تورط نفسها في مسائل معقدة دون أن تكون مستعدة لمواجهتها. وهذا ما يحدث اليوم في ليبيا واليمن وسوريا.
حتى في مصر وتونس اللتين نجحتا في تغيير النظام في زمن قياسي ولكنهما تعيشان حالة من الفوضى في تحديد ملامح النظام الجديد بعد نجاح عملية الولادة. وهذه التجارب نصف الناجحة في الثورات على أرض الواقع لم تشجع للأسف الشديد الدول العربية الأخرى التي انتظرت دورها ففضلت الأمر المعلوم على المصير المجهول.
المسألة أكبر من عملية تنظيم. المسألة تحتاج إلى حسابات معقدة مسبقة وعقول مخططة. ورغم أننا نعيش بقرب ونتعامل يوميا مع أكبر دولة مخططة في تاريخ العالم، ألا وهي إسرائيل، إلا أننا لم نتعلم من عدونا شيئا سوى الفساد.
دولة إسرائيل بدأت من الصفر ومن لا شيء. وفي غضون بضع سنوات استطاعت أن تشكل دولة مسلحة مسيطرة ومهيمنة في المنطقة ليس اعتمادا على ترسانتها النووية وأسلحتها المتطورة فحسب بل على طريقة تعاملها مع الأحداث قبل وأثناء وبعد حدوثها. فاليهود الذين نقلتهم سفن الاستعمار إلى شواطئ فلسطين لم يأتوا على شكل مغامرين أو قراصنة خالي الوفاض ليحتلوا أرضا بحجم فلسطين ولم يحملوا معهم عصا موسى السحرية.
وإنما جاءوا بخطط مدروسة مسبقا ومحكمة جدا في مواجهة شعوب لم تدرس بعد المنهج في تنفيذ المشاريع الكبيرة ولا حتى الصغيرة. وإن وعد بلفور لم يكن سوى صفارة بدء الهجوم الكبير. وكانوا قبل ذلك قد عملوا في السر وبالصمت على تنظيم أمورهم ببسط نفوذهم على الدول القوية الكبرى وضمان دعمهم في مواجهة عدوهم.
وهذا لم يتم بالنقاش والإقناع والتمسكن كما ندعي. وإنما بالنفوذ الواقعي الذي لا يمكن رده ولا ردعه.
فقد عملوا أولا على السيطرة على أموال وبنوك العالم. وعندما أصبحت مصارف ورؤوس أموال العالم في قبضتهم، لم يبعثروها في شراء السيارات الفارهة واليخوت الفاخرة ولا في السهر في الملاهي الليلية بل اشتروا بها أقوى سلاح عرفه العالم: سلطة الإعلام، من صحف ومجلات وقنوات تلفزيونية وإذاعية وغيرها.
وما السيد روبرت مردوخ إلا واحد من تلك العينات التي ساهمت في تحويل الرأي العام العالمي لدعم قيام دولة إسرائيل واستمرارها حتى يومنا هذا. ثم سيطروا على مجال القضاء المحلي في معظم الدول الغربية التي كانت تستعمر الوطن العربي من خليجه إلى محيطه فكان كبار المحامين في العالم من اليهود، وانتقلوا بنفوذهم بعد ذلك إلى القضاء الدولي.
ولم يتركوا مجالا إلا واخترقوه وهيمنوا عليه. بعد أن تم لهم ذلك بشكل مخطط ومدروس بدءوا الخطوة الأولى للهجوم واحتلال فلسطين، وما زالوا يلتهمون أراضيها أمام مرأى ومسمع من العالم دون أن يحرك أحد ساكنا.
وعندما نعود إلى شعوبنا التي تريد التحرر من الأنظمة التي سيطرت على مصائرها منذ بداية الخلافة العثمانية حتى نهايتها ومنذ بداية الاستعمار حتى خروجه الوهمي، لا نجد إلا مجموعة أطلقت على نفسها ثوارا يخرجون إلى الشوارع في حماس شاعري عربي قديم وهي لا تملك أدنى سلاح للهجوم أو المناورة ولا تملك أي نوع من أنواع الدعم الحقيقي المؤكد سوى وهم العصا والجزرة من قبل بعض الدول الغربية التي قررت مساندتهم بمكر واضح في لحظة ما بما يضمن جانب مصالحها الخاصة فقط. فوقع الثوار في فوضى الثورة. وأصبحوا يتوسلون إلى الدعم الأوروبي لينقذهم من ورطتهم.
اليوم الثوار الليبيون في شبه أزمة. وكذلك ثوار اليمن وسوريا. ولا توجد دولة عربية أو غربية واحدة مستعدة للوقوف معهم لحسم ثورتهم بنجاح أو فشل. فالدول العربية التي لم تطلها الثورات فضلت عدم التدخل حتى لا تحترق بنيران تلك الدول. والدول الغربية تفضل بقاء الثورات بين مد وجزر حتى تقوم القيامة، لضمان انشغال الشعوب العربية بنفسها وليس بشعب إسرائيل. أو على الأقل بقاء الأنظمة النائمة السابقة في سباتها الطويل تأكل ولا تزرع. وقد كان أسف بنيامين بن ليعازر وزير الدفاع الإسرائيلي السابق على محاكمة الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك لدليل واضح على تمسك إسرائيل بتلك الأنظمة العربية لضمان أمنها.
لا أحد ينكر أن معظم الشعوب العربية مظلومة، وأن من حق هذه الشعوب أن تغير من وضعها وأنها أرغمت على الثورة وليس حبا فيها. وأن الشهداء الذين سقطوا هنا وهناك يجب أن لا تذهب دماؤهم هدرا، ولكن ما نريد قوله هو إن الثورات يجب أن لا تتفجر هكذا دون دراسة ومنهج وقاعدة شعبية وقادة عملوا في السر ثم مهدوا لها أرضية صلبة ودعما عالميا مؤكدا يضمن نجاحها. إنها ليست مغامرة شبابية طائشة أو مظاهرة شعبية سريعة. إنه تقرير مصير أمة بكاملها.
والوقت ليس متأخرا.....