آخر مرة التقيت فيها بالرئيس المصري السابق حسني مبارك كانت ــ ويا للمفارقة ـــ في عيد الشرطة قبل أربع سنوات. وفي الاحتفال الرسمي بهذه المناسبة الذي أقيم في مقر أكاديمية الشرطة القديم بحي العباسية بالقاهرة، وقبل أن تنتقل الاحتفالات إلى المبنى الجديد الذي شهد قبل أيام أولى جلسات محاكمة الرئيس السابق.
كنت قد خاطبت الرئيس السابق قبل أيام من هذه المناسبة (بوصفي نقيباً للصحافيين) حول محاولة كان يقوم بها وزير المالية الهارب يوسف بطرس غالي ومعه رئيس الوزراء في ذلك الوقت أحمد نظيف للاستيلاء على ممتلكات المؤسسات الصحافية القومية من مطابع وأراض ومبان وشركات تابعة ونقل هذه الثروة الهائلة إلى أيدي بعض الحيتان المحسوبين على النظام في صفقات مشبوهة كما حدث في بيع شركات القطاع العام التي بيع بعضها بأقل مما تربحه في عام واحد.
وكان المخطط قد وصل إلى مرحلة متقدمة من التنفيذ، واستعد «اللوبي» الموعود بالحصول على الصفقات للأمر، وجاء بعض أقارب وزير المالية الأسبق المقيمين بالخارج والمشتغلين بصناعة النشر إلى مصر، وعاينوا المطابع التي سيضعون يدهم عليها.
خاطبت الرئيس السابق في الأمر، وبعد ثلاثة أو أربعة أيام كان الاحتفال بيوم الشرطة الذي جرى رتيباً كالعادة. وعقب الاحتفال الرسمي استقبلنا الرئيس السابق في قاعة جانبية كانت مزدحمة بكبار المسؤولين حين دخلت لأجد مبارك يصافح القادمين وهو يقف بين رئيس الوزراء الأسبق نظيف وصفوت الشريف أمين الحزب الوطني الحاكم حينذاك والمنحل حالياً.
ما أن رآني الرئيس السابق حتى بادرني بالسؤال عن سبب غضبي، مشيراً إلى انه قرأ ما كتبته له، ومتسائلًا: ألم يسبق أن أكدت لك موقفي من هذا الموضوع؟ قلت: هذا صحيح ولكن بعض كبار المسؤولين يسيرون في طريق آخر، ولم أكن أدرك أنني هنا قد دخلت المنطقة الشائكة. فقد تغير وجه الرئيس السابق وبدا عليه الغضب الشديد وهو يلتفت إلى رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف (المحبوس حالياً على ذمة بعض القضايا) قائلاً: ألم أقل إن هذا الملف (ملف الصحافة) لا يقترب منه أحد إلا بمعرفتي، ولا يتم فيه أي إجراء إلا عن طريقي؟
لم يرد نظيف بكلمة واحدة، وعدت لأطلب الالتزام بما سبق أن اتفقنا عليه من ان شيئاً لن يحدث في هذا الملف من وراء ظهر نقابة الصحافيين وعاد مبارك ليؤكد على ذلك، ويطلب ان يطمئن الجميع على عدم العبث بهذا الملف.
وبقدر ارتياحي لحسم الموقف وإزالة مخاوف أكثر من أربعة آلاف صحافي مصري مما يدبر للمؤسسات الصحافية التي يعملون بها، بقدر ما خرجت أكثر قلقاً مما يجري في كواليس الرئاسة. لم يكن جديداً أن الرئيس السابق كان قد تخفف من الكثير من المسؤوليات بعد العملية الجراحية التي أجراها قبل نحو عامين من هذا اللقاء، وان ابنه «جمال» يمد نفوذه ويعين رجاله في المواقع الأساسية الاقتصادية والإعلامية وان معظم الوزراء هم من أتباعه. ولكن الجديد أن الأمر لم يعد كما كان حيث كان مبارك يصدر القرار ويمسك بالقضايا الأساسية في يديه، ويتخفف فقط من التفاصيل.
لم يعد الأمر كذلك فيما بدا لي بعد هذا اللقاء، فحتى الملفات الأساسية التي كان مبارك الأب حريصاً على الإمساك بها بدأت تفلت من يديه، والتوازنات التي كان يعتمد عليها بين حرس قديم وجديد بدأت تنهار، والابن وفريقه قد بدأوا يتعجلون الإمساك بكل المفاصل الأساسية للدولة، حتى ولو من وراء ظهر الرئيس السابق ووضعه أمام الأمر الواقع.
على مدى أربع سنوات بعد ذلك كان الوضع يتفاقم، وكانت قبضة الأب تتراخى وقبضة الابن تشتد وأحلام الوراثة تزيد وتأتي بأسوأ فريق يتولى السلطة في مصر على مدى عهود طويلة. حيث كان زواج المال بالسلطة، ووزراء يمارسون الفساد جهاراً نهاراً، واعتماد كامل على فئة قليلة من رجال الأعمال الذين أدمنوا الفساد، وعلى جهاز أمن داخلى انهار في لحظات، وعلى سياسات عزلت الحكم عن الشارع.
الأربعاء الماضي كان مبارك على سرير طبي في قفص الاتهام أمام المحكمة في مشهد تاريخي لأول رئيس مصري يحاكم بعد ثورة أطاحت به منذ ستة شهور. كان معه في نفس قفص الاتهام إبناه ووزير داخليته وقادة الشرطة السابقين المتهمين بإطلاق الرصاص على المتظاهرين وقتل مئات الشهداء وإصابة الآلاف من الشباب.
ثلاثون عاماً في الحكم تصنع الكثير من الأخطاء والخطايا. ولو لم يتراجع مبارك عما وعد به بداية حكمه بألا يبقى في الرئاسة إلا دورة أو دورتين لدخل التاريخ بصورة مختلفة، ولما أصبح في سنواته الأخيرة معزولاً عما يجري لا يسمع صيحات الإصلاح ولا يرى نذر الثورة، ليجد نفسه في النهاية داخل قفص الاتهام ومعه أبرز أخطائه وخطاياه في نفس القفص: جهاز أمن تصور أنه يضمن إسكات الناس للأبد، ووريث جلبت طموحاته على مصر الويلات، وكتبت النهاية لحقبة كاملة من التراجع ومقاومة الإصلاح، وفرضت سياسات أهانت المصريين وجعلت الثورة هي الطريق الوحيد لإنقاذ الوطن.
خارج المحكمة، ربما كان هناك بعض من تعاطفوا مع مبارك الأب لظروف إنسانية في الغالب. أما الأخطاء والخطايا التي كانت معه وبجانبه في قفص الاتهام فلم يكن هناك من يقبل معهم أقل من القصاص العادل.