مع نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينيات القرن المنصرم، بدأ العالم يشهد نهاية الحواجز السياسية والاقتصادية، وانحسار وتراجع أفكار الاعتزال والتموضع داخل الحدود الجغرافية للدولة. فمنذ ذلك الحين توسعت علاقات التعاون المتبادل، وأصبحت دول العالم، باستثناء البعض القليل منها، شديدة الحرص على الاستفادة من فرصة اندماج اقتصادها بالاقتصاد العالمي.
وتوافرت لدى الدول، في أجواء هذا الانفتاح، مشتركات كثيرة، فقد غدا الإرهاب عدواً مشتركاً يهدد أمنها وأمن مجتمعاتها، وأصبحت القضايا البيئية جسراً للتواصل بين شعوبها، وبدأت آيديولوجية التنمية المستدامة تتسلل بشكل متزايد إلى ثقافاتها وتشغل مساحات من وعيها.
وبالقدر الذي وفرت فيه الظروف العالمية الجديدة فرصا واعدة وفتحت آفاقا تعزز الشعور بالأمن وتدعو للاطمئنان على المستقبل، إثر تراجع مخاطر حصول صِدام دولي كبير قد لا ينجو من تداعياته أحد، أتت في الوقت نفسه بعوامل قلق جديدة بدأت تؤرق النخب المتقدمة فكرياً، والتي تضم قيادات منظمات المجتمع المدني ورجال الأعمال في معظم الدول النامية المستهلكة لنتاجات الآخرين المادية والفكرية. فالتغييرات الجديدة التي تجري بأنساق تتسارع مع الأيام، كبيرة ومؤثرة، وأصبح التقدم السريع في مجال العلوم والتكنولوجيا الذي يجري في عدد قليل من الدول، وتنتقل تأثيراته إلى بقية مناطق العالم، يُحدث تغييرات هامة وعميقة في حياة الفرد والمجتمع.
مصطلح "المستقبل" يعني للفرد غير ما يعنيه للدولة، بسبب اختلاف الرؤى واختلاف المهام واختلاف المسؤوليات، على الرغم من أنه يهم الطرفين ويقلقهما في الوقت نفسه. ففي ظل الظروف العالمية الراهنة ،تجد الدول الصغيرة نفسها في موقف يدعو للقلق، فهي تستنزف ثرواتها الطبيعية بمعدلات متزايدة من جهة.
ولا تستطيع الدخول في تنافس جدي لتسويق منتجاتها مع عمالقة يسيطرون على مداخل ومخارج القوة ويرسمون معالمها، من جهة أخرى. إنه قلق مشروع يتعلق بمستقبل الدول الصغيرة، في عالم أصبحت فيه القوة تتركز في عدد أقل من الأيادي، والثروات في عدد أقل من الدول، ومفاتيح التغيير ومساراته في عدد أقل من المطابخ.
من هذا المنطلق يصبح التخطيط للمستقبل ووضع الخطط التنموية لمواجهة مختلف "صوره"، أمراً في غاية الأهمية، وتصبح "الدراسات المستقبلية" التي تعنى بالتنبؤ بهذه "الصور"، ضرورية جداً لرفد الخطط التنموية وتصويب مساراتها.
هناك جدل يدور حول طبيعة دراسات من هذا النوع، أهي علمية أم إنسانية، وذلك لأن أدوات البحث والدراسة ونماذج التنبؤ التي توظف فيها، ذات طابع علمي، إلا أن النتيجة المتوخاة في نهاية المطاف، "صورة المستقبل"، تقع في سياقات الدراسات الإنسانية، لأنها تتعلق بمعالم تاريخ لاحق لمجتمع له ماضٍ وله حاضر.
وهناك جدل من نوع آخر يدور حول مدى أهمية هذه الدراسات من عدمها، فهناك من يرى أن هذه الدراسات لا غنى عنها في سياق توفير مستلزمات الأمن الوطني (القومي) للدولة، وهناك من يرى ان هذه الدراسات قد لا يتوافر فيها القدر المرجو من الدقة والمصداقية، في عالم سريع التغير يصعب التنبؤ باحتمالات مساراته. تُعنى الدراسات المستقبلية، أو ما يدعى أحياناً "المستقبليات"، بوضع التصورات حول المستقبل وسيناريوهات الوصول إلى إحدى "صوره": الممكنة أو المحتملة أو المفضلة، وما يتوافر من فرص لتحقيق ذلك.
وما يعترض ذلك من عقبات على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. وتهدف هذه الدراسات إلى رسم صورة حركية لعملية انتقال منظومة كبيرة، مجتمع بكامله، يقطن مساحة جغرافية معينة يتوافر فيها قدر من الموارد الطبيعية، تشمل مصادر الطاقة والمياه والغذاء والمعادن، ويتوافر فيها قدر من الموارد البشرية، من وضع إلى وضع آخر، في بحر سنة واحدة أو خمس سنوات أو عشر أو أبعد من ذلك، كما هو الحال في الدراسات التي تصدر عن المراكز الاستراتيجية في الدول العظمى، أو المراكز التابعة للأمم المتحدة.
أما صورة المستقبل الذي تسعى الدراسة لرسمه، فتتشكل وفق الخطط الموضوعة والميزانيات المالية المرصودة والطرائق التي يتم فيها توظيف الموارد الطبيعية والموارد المعلوماتية. ولعل أهم ما في هذه العملية المعقدة هو الأدوات المستخدمة، وهي الموارد البشرية الموزعة في مفاصل المؤسسات القائمة، وطبيعة القوانين التي تحكم عمل هذه المؤسسات.
وما هو مألوف من مناهج تفكير وأساليب عمل، وما هو متوافر من أعراف وتقاليد وتراث وثقافات. ولا تستطيع دراسات كهذه التوصل إلى رسم صورة قريبة من الواقع، ما لم تأخذ بنظر الاعتبار القضايا العالمية الساخنة، كالاحتباس الحراري، والتغيرات المناخية والتلوثات البيئية، والبدائل للطاقة، والكوارث الطبيعية وغير ذلك.
وغني عن البيان أن دراسات من هذا النوع تتطلب منهجاً تركيبياً في مقاربة الموضوع، منهجاً يركز بالدرجة الأولى على الصلات بين عناصر المنظومة، ولا يتعامل مع هذه العناصر كأشياء بمعزل عن بعضها البعض. من ناحية ثانية، يعتبر المنهج المتبع والبيانات الموظفة في الدراسات المستقبلية، أقل دقة وموضوعية من نظيراتها في الدراسات العلمية، كما هو الحال في الدراسات المتعلقة بعلوم الطبيعة، وذلك لأنها من الدراسات البينية التي تطل على تخوم العلوم من جهة، وتخوم الإنسانيات من جهة أخرى.
الدراسات المستقبلية يمكن أن يقوم بإعدادها مركز بحث حكومي أو آخر غير حكومي، إلا أن الدراسات التي تصدر عن هذين المركزين ليست بالضرورة متطابقة أو متشابهة. فما يصدر عن المراكز التابعة للحكومة يكون عادة أقل صدقية، على الرغم مما لدى الحكومة من موارد بشرية ومادية ومعلوماتية. وذلك لأنها لا يمكن أن تكون موضوعية كما ينبغي، فهي متأثرة بالسياسات التي تنتهجها الدولة، وبالأجواء البيروقراطية التي تسود في مؤسساتها، وخاضعة لضوابط تأسيس مراكز كهذه، وأسيرة لمعايير اختيار من هو مؤهل لإدارتها.. وغير ذلك من أمور تفصيلية كثيرة.