بمجرد أن وقع الانفجار في قلب العاصمة النرويجية، ثم تبعه الهجوم المسلح على معسكر شباب حزب العمال النرويجي الذي راح ضحيته ثمانون شخصا على الأقل، هب اليمين الأميركي فوراً لاتهام المسلمين بالقيام بتلك العملية الإرهابية البشعة.

ففي افتتاحيتها تعليقا على ما جرى في النرويج، قالت صحيفة "وول ستريت جورنال" اليمينية، إن "النرويج ستظل مذنبة من وجهة نظر الجهاديين بسبب هويتها، فهي دولة ليبرالية مؤمنة بحرية التعبير والرأي ومؤمنة بالمساواة بين الجنسين، بل وبكل الحريات الأخرى التي تعبر عن الغرب. فالنرويجيون يدفعون اليوم ثمنا باهظا لأنهم يتمسكون بتلك القيم".

وقد انطلقت مجلة "ويكلي ستاندرد" المعبرة عن المحافظين الجدد، لتقول إن الهجوم "لا بد وأن جماعة جهادية قامت به". أما معهد "إنتربرايز انستيتوت" اليميني، فقد راح "محللوه" يتحدثون عن العلاقة بين النرويج والقاعدة، بينما راح كاتب خطب بوش الابن والناشط السياسي، ينظر لما حدث باعتباره "جزءا من الجهاد العالمي". حتى صحيفة "واشنطن بوست" غير المحسوبة صراحة على اليمين، فقد استغلت الحدث جنيفر روبن التي تكتب في الصحيفة، لتنتقد إدارة أوباما في سعيها لتخفيض الميزانية العسكرية والخروج من أفغانستان.

ولم تمر إلا ساعات قليلة على نشر كل ذلك، حتى كانت السلطات النرويجية تعلن عن أن الإرهابي الذي ارتكب تلك الجريمة، شاب نرويجي يدعى أندرس بريفيك، وهو يميني متطرف وصفه البوليس النرويجي بأنه "أصولي مسيحي يكن كراهية عميقة للإسلام"، ولطالما وصفه "بأيديولوجية الكراهية". فماذا كان يا ترى رد فعل رموز اليمين الأميركي، الذين روجوا لحكاية أن الجاني "مسلم جهادي"؟

الإجابة أن أحداً لم يعتذر. فالوول ستريت جورنال حذفت اتهامها للمسلمين من تلك الافتتاحية، وقالت ببساطة إنها تصورت أن الجاني مسلم فتبين أنه نرويجي! أما ردود أفعال الكثير من رموز اليمين المعروفة، فقد نضحت بالعنصرية. فاليميني بيل أورايلي، صاحب البرنامج الحواري الشهير، انتفض رافضا وصف القاتل بأنه "مسيحي"، وهو موقف تؤيده كاتبة هذه السطور، لأن الإرهاب ليس له دين. لكن المشكلة هي أننا لم نسمع أبدا من أورايلي، اعتراضا في كل المرات التي وصف فيها أي إرهابي بأنه "مسلم".

ولم يتفوق على أورايلي سوى المتطرف اليميني الشهير جلين بيك، الذي شن هجوما على الضحايا الذين قتلهم الإرهابي النرويجي، لا على القاتل نفسه. فهو ساوى بين الضحايا وبين شباب الحزب النازي، لأنهم كانوا في معسكر تنظيمي كما كان يحدث في عهد النازي، رغم أن مثل تلك المعسكرات تحدث في أوروبا، بل وفي أميركا ذاتها. بل إن هذا المعسكر تحديدا هو معسكر لشباب حزب العمال الحاكم، الذي كان له سجله المشرف في مكافحة النازية الذي يسجله له النرويجيون حتى اليوم. والحزب بالمناسبة، من الأحزاب المناصرة للقضية الفلسطينية، بل أيد الحملة العالمية لمقاطعة إسرائيل.

لكن تلك المواقف الفجة من تلك الرموز اليمينية في أميركا، صارت مفهومة بعد أن تبين أن القاتل النرويجي كان قد تأثر كثيرا برموز التطرف اليميني في الولايات المتحدة الأميركية! فقد تبين أن بريفيك كان قد نشر مانفستو من 1500 صفحة، يعبر فيه عن آرائه ومواقفه. وهو اعتبر أن عام 2083 سيكون "عام إعلان استقلال أوروبا، حين ستتخلص من الإسلام"، وهو العام الذي سيوافق مرور 400 عام على النصر في معركة فيينا على المسلمين عام 1683.

وقد استشهد الرجل في ذلك المانفستو، بعدد كبير من رموز اليمين الأميركي المتطرف الذي يحرض على الإسلام والمسلمين. فعلى سبيل المثال، اقتبس بريفيك من روبرت سبنسر، صاحب موقع "جهاد ووتش" وصاحب كتاب "حقيقة محمد: مؤسس الدين الأقل تسامحاً في العالم". وقد استشهد الإرهابي النرويجي أيضا بفرانك جافني، أحد رموز المحافظين الجدد الذي يكن عداء لكل ما هو عربي وإسلامي، والمركز الذي يترأسه هو صاحب التقرير الشهير الذي يهاجم الشريعة الإسلامية، ويعتبرها الخطر الذي يتهدد أميركا.

وقد استشهد الرجل أيضا بالأميركية المتطرفة بريجيت غابرييل، التي كانت واحدة من أهم النشطاء في الحملة لحظر الشريعة في عدد من الولايات الأميركية. وقد اتضح أيضا أن دانيال بايبس، أحد المحافظين الجدد الذي ينفث كراهية للإسلام والمسلمين مثلما يتنفس، كان من الذين تأثر بهم الإرهابي النرويجي.

لكن هذه الدائرة من المتطرفين الأميركيين لا تعمل في فراغ، فهي جزء من آلة عالمية ضخمة، هدفها التحريض على الإسلام والمسلمين في أوروبا وأميركا تحديدا. وهذه الآلة هي عبارة عن شبكة يعرف أطرافها بعضهم، ولو عبر الانترنت، وهي تستخدم كل وسائل التكنولوجيا الحديثة والحشد السياسي والإعلامي، ونجحت في الواقع في بث الرعب في وسط قطاعات واسعة في المجتمعات الغربية لا تعرف الكثير عن الإسلام، وصارت بفعل تلك الآلة، على قناعة بأن الإسلام يهدد حياتهم، لأنه على وشك السيطرة على أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.

هذا رغم أن المسلمين لا تزيد نسبتهم إلى العدد الكلي للسكان في أوروبا على 6%، بينما لا يزيد عددهم في الولايات المتحدة على 5%. لكن هذا القلق الذي تملك الكثير من الأوروبيين، يعود إلى تصعيد أحزاب اليمين، بما فيها اليمين المتطرف في الكثير من الدول الأوروبية.

غير أن من يتأمل كل ذلك، يدرك أن المشكلة الحقيقية التي تعاني منها المجتمعات الأوروبية والمجتمع الأميركي، لا علاقة للإسلام والمسلمين بها. فهي مشكلة لها علاقة بالعنصرية تجاه الثقافات والأديان الأخرى، خصوصا إذا ما كان أهلها من غير البيض، واعتبار أن تلك الثقافات بالضرورة أقل تحضرا وأخلاقية.