يعشق الساسة لدينا الابتذالات المبالغ فيها، ويردفونها بقدر بسيط من المتابعة. وكلما يتم وعد الأميركيين بخطط جاهزة لتحفيز الاقتصاد ومصادر جديدة من الطاقة وغيرها من الأوهام، كلما نقبل أن تتم الحيلولة دون تنفيذ تلك البيروقراطية والتشريعات والدعاوى القضائية والتصريحات.
فقد اعترف الرئيس الأميركي باراك أوباما نفسه، بعد المطالبة بنحو تريليون دولار من الأموال المقترضة من أجل الميزانية، بأن خططه "الجاهزة" للتنفيذ، ثبت أنها "غير جاهزة" للتنفيذ في نهاية المطاف. وبدلاً من ذلك، فقد ذهب معظم المبالغ الطائلة من الأموال المقترضة، إلى دعم المعاشات المعسرة تقريباً والاستحقاقات وميزانيات الدولة المتضخمة. فالبطالة لا تزال عند معدل 9.2%، مع وجود ما يقرب من 50 مليون شخص يعتمدون على طوابع الغذاء التي تدعمها الحكومة، حتى في الوقت الذي تتداعى شبكة البنية التحتية الأميركية، والقطاع الخاص يحتضر، فيما يحول الاستحياء القومي دون أي محاولة بناء جديدة.
لقد قدمت لنا الأجيال السابقة مشروعات في مجال الفضاء، أما نحن فإننا نهدمها. وكانت شركة بوينغ تتسيد السماء في يوم من الأيام، والآن ترفع الحكومة الأميركية دعوى قضائية ضد الشركة لوقف افتتاح مصنع جديد لها.
لكن الأمر لم يكن على هذا النحو دائما. فمنذ مئة سنة مضت، كان المشروع الكهرومائي للخور الكبير في وسط جبال سييرا نيفادا في كاليفورنيا، أول محاولة من نوعها في أميركا لتوليد الكهرباء من الشلالات، حيث كان من شأنه توفير الطاقة الكهربائية لمنطقة لوس أنجلوس التي تبعد نحو 250 ميلاً.
ويرجع الفضل لخبير الصناعة ورجل الأعمال الأميركي هنري هنتنغتون، في وضع تصور هذا المشروع الضخم، الذي بدأ في عام 1911. وفي غضون 157 يوماً، تم بناء خط سكة حديد لتوصيل الإمدادات إلى الجبال، من خلال المجارف والمعاول التي تجرها الخيول، على أيدي الآلاف من العمال الذين كانوا يكابدون الصعود لأكثر من 6000 قدم. وفي غضون سنتين فقط، تدفقت الكهرباء جنوبا من وحدة جديدة لتوليد الطاقة في مشروع الخور الكبير، الذي سهّل تدفق المياه من نهر سان جواكين عبر بحيرة هنتنغتون الجديدة.
ويضم مشروع هنتنغتون، الذي تمت توسعته في نهاية المطاف، وتتم إدارته اليوم من قبل شركة ساوث كاليفورنيا إديسون للطاقة، ست بحيرات كبرى و27 سداً و24 وحدة لتوليد الطاقة، والتي تحول المياه المتدفقة من بحيرة هاي سييرا، لكي تولد في النهاية أكثر من 1000 ميغاوات من الكهرباء دون تلوث.
وتخزن البحيرات المترابطة قدراً هائلاً من المياه، لري مليون فدان من الأراضي الزراعية التي تقع على بعد آلاف الأقدام في ولاية كاليفورنيا. وقد ازدهرت أنشطة في منطقة هاي سييرا، أبرزها الرياضية والصناعية والسياحية حول البحيرات والطرق الجديدة. وبعيدا عن مسألة تدمير البيئة، فقد أوجد مشروع "الخور الكبير" مستودعات شاهقة جميلة، وأتاح للملايين من الطبقة المتوسطة من سكان ولاية كاليفورنيا، الفرصة لأول مرة للاستمتاع بجمال جبال سييرا نيفادا. والقليل من الناس من يقدر أن المشروع بأكمله تم بناؤه بتمويلات خاصة.
فكيف تسنت لأسلافنا، رغم الفقر والإمكانات التكنولوجية المحدودة، هذه السرعة في إنشاء مثل هذا المشروع الضخم، والذي سيشكل على الأرجح اليوم تحديات لا يمكن التغلب عليها لأحفادهم الذين يمتلكون التكنولوجيا المتقدمة؟
فقد كانوا أكثر عوزاً وأكثر ثقة بالنفس مما نحن عليه اليوم، بحيث أنهم كانوا يتصرفون عندما يكونون واثقين بنسبة 80% من النجاح، بدلاً من الحديث إلى مالا نهاية، والتأخير انتظاراً لليقين بعيد المنال. وفي عام 1911 كانت هناك رغبة لتجربة عجائب جديدة للكهرباء، ولكن لم يكن هناك جيل سابق وفرها. واليوم فإننا نستفيد من الطاقة في تشغيل أجهزة الآيباد وألعاب الفيديو، على اعتبار أنها أمر مفروغ منه، لكننا أكثر عرضة لتصيد الأخطاء والحساسيات الاجتماعية والبيئية للأجيال السابقة التي قدمت لنا ما نستخدمه، غير مبالين بذلك في الوقت الحاضر.
وبكل بساطة، لا يمكن بناء مشروع الخور الكبير اليوم في الولايات المتحدة. فسوف يزعم دعاة حماية البيئة أن الطبيعة البكر لنهر سان جواكين، سوف تتغير دون ضرورة. وسوف تطالب النقابات بتعويضات عن هذه الأعمال التي تعرض الطبيعة للخطر. وسوف يطالب العمال بتطبيق استحقاقات العجز عن العمل الناجم عن التوتر. وسوف يفوق عدد المسؤولين الحكوميين عدد المهندسين والمفتشين في المشروع. ولن يخاطر رجال الأعمال أبدا بمثل هذا الاستثمار المحفوف بالمخاطر، من دون ضمانات حكومية حاسمة من الأرباح، رغم تجاوز التكاليف الهائلة. وسوف يساور الرأي العام الشك إزاء هذا الخطر، لأنه سيكون حريصاً على التمتع بعوائد المشروع عند اكتماله.