ربما كان اللقاء المثير الذي جمع قبل عامين، البابا بينيدكتوس السادس عشر إلى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي, أحد أبرز منعطفات السَّجال الفكري المعاصر بين الكنيسة والمؤسسة العلمانية في أوروبا. ومع أن اللقاء لم يسفر آنذاك عما يمكن اعتباره ميثاقاً أولياً للمصالحة بين الإيمان الديني والعلمنة, إلا أنه أطلق جدلاً قد لا ينتهي إلى مستقر في المدى المنظور.

لكنّ السؤال الذي انبرى لتداوله الكثيرون, ولا يزال حاضراً بين النُّخب الغربية, جاءت صيغته على الشكل التالي: ماذا لو انتقلت الحرب الخفيّة بين الإيمان المسيحي والعلمنة إلى ميادين الاستباحة؟

نُشير بدايةً إلى أن سؤال الدين في الغرب، جرى مجرى خطاب الحداثة برمته. فلو عاينَّا قليلاً، شيئاً منه، لا سيما الخطاب الفلسفي والسوسيولوجي, لعثرنا بيسر على أصله الديني، كما لو كان من أمر الحداثة حين تظهر حقيقتها، أن تتّخذ لنفسها صفةَ متعالية.

وهذا هو السبب الذي حمل العقل الغربي لأن يراها، بوصفها ظاهرة ميتافيزيقيّة، رغم دنيويتها الصارمة. فالحداثة من قبل أن تشرع سيوفها شرعت أسئلتها، وهي أول ما سألت، ساءلت الكنيسة المسيحية كخصيم لها بلا هوادة. لكنها حين مضت في السؤال لتمنح نفسها بعض اليقين، هبطت إلى عمق الزمان الديني. كانت الحداثة حين فعلت هذا، ميتافيزيقية.

ربما لأنها بحثت عن اعتلائها الأرضي في تاريخ الدين، حيث أرادت أن تحتله لتقوم مقامه، حتى وإن قُضي الأمر على أبحر من الموتى. منشأ المفارقة أن سؤال الحداثة، جاءنا في الأصل من حقول المسيحية الواسعة، وبهذه الدلالة هو وليدها الشرعي. ومن هذه الحقول نفسها ستكتسب الحداثة حيويتها، حتى وهي تمارس نقدها الصارم للاّهوت الديني. بل يمكن القول إن سيرة الحداثة مع المسيحية، هي أشبه بديانة خرجت من ديانة أخرى عاصرتها أو سبقتها.

هذه الوضعية قد يصح عليها ما عبّر عنه الفيلسوف الفرنسي "مارسيل غوشيه"، بمصطلح "ديانة الخروج من الدين".. لمّا وصف صلة الأديان ببعضها، وخصوصاً تلك التي تعاصرت ضمن جغرافيات حضارية واحدة. الأمر نفسه عالجته الفلسفة الحديثة على طريقتها، عندما وجدت أن كل سؤال يولد نتيجة علاقة بين نقيضين، إذ إن عناصره تتشكل من هذين النقيضين معاً.

ذلك أن كل سؤال يجيء على هذا النحو، يحيط دائماً بمجمل إشكالية الفضاء الذي منه جاء, ويكون في كل مرة هو هذا المجمل نفسه. وعلى هذا النحو لا يمكن لأي سؤال ميتافيزيقي أن يُطرح - كما يبيّن مارتن هايدغر - من دون أن يكون السائل، بما هو سائل ـ مُتَضمَّنا - هو نفسه في السؤال، أي عالقاً في هذا السؤال.

هكذا لم تغادر المسيحية هواجس تعقُّلات الغرب، لا في حداثتها الأولى, ولا في طورها الما بعد حداثي. كأنما قدرٌ قضى أن يمضي اللاهوت المسيحي المعاصر إلى ابتعاث الحراك الفكري، والفلسفي، والاجتماعي، ليكون له موطئ قدم في العملية الحضارية للعالم الجديد. حتى لقد بدا كما لو كانت المؤسسة الدينية المسيحية، هي الضد الذي يظهر على صفحاته الملساء حُسن الحداثة المزعوم. فالدين - على ما يبين فلاسفة التنوير - لم يكُف عن كونه وظيفة أبدية للروح الإنساني.

وعليه، سوف ينبّه هؤلاء إلى ضرورة ألاَّ تتنازل الفلسفة يوماً، عن حقّها في بحث المشكلات الدينية الأساسية وحلها. كان فيلسوف الدين الروسي نيقولا برديائيف Berdyaev، يؤكد في مطالعاته أن لليقظات الفلسفية دائماً مصدراً دينياً. وظل يميل إلى الاعتقاد بأن الفلسفة الحديثة عموماً، والفلسفة الألمانية خصوصاً، هي أشدّ مسيحية في جوهرها من فلسفة العصر الوسيط.. فلقد نفذت المسيحية إلى ماهية الفكر نفسه، ابتداءً من فجر العصور الحديثة.

حطَّت المنازعةُ بين الحداثة والكنيسة على أرض الفصل بين الدين واللاّهوت، بين جوهر المسيحية وسلطان الكنيسة. لم تتوقف غاية الحداثة، إذ نازعت الكنيسة مقامها، على وقف تدخلها في السياسة والاجتماع وصياغة نظريات الدولة. فإذا بها، وهي ترى إلى أغراضها بأم عينها، ستمضي إلى نهاية الرحلة، لتنقلب على الكنيسة وتُطيح لاهوتها السياسي بما هو مصدر الحقيقة.

بل هي ستذهب إلى مسافة أبعد في المواجهة، لتفتح باب المساءلة حول مجمل ما أنجزته الفلسفة الحديثة، في صعيدها القيمي والأخلاقي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تحوّلت مقولة الواجب عند كانط، إلى مجرد طاعة مطلقة "للأمير الحديث" حسب اصطلاح المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي.

ذلك "الأمير" الذي نزع من الحداثة أخلاقها، حين استفرغها من جوهرها المسيحي, ثم مضى بعيداً في "ضراوته" حتى أوشك ألاّ يبقي من الكنيسة إلا حجارتها الصمّاء. حتى كانط لم توفِّره سيوف الحداثة، فقد جاء الشغف الكانطي ليفتح على ممارسة فلسفية لا تُبقي منجزات التنوير في منأى من فضاء النقد. كانت غاية "ناقد العقل الخالص"، موقوفة على سعيه إلى حفظ الأنوار العقلية بالأخلاق العملية. كان يرى أن الإنسان كائن عاقل، وبما أنه عاقل فهو كائن أخلاقي, وبما أنه أخلاقي فهو كائن ديِّنٌ.

وأياً كان الرأي، بالتزام أو عدم التزام كانط بالمسيحية كلاهوت، أو موافقته من سُمّوا بالمفكرين الأحرار، لجهة إنكار الإيمان بالوحي الديني، فقد منحت الكانطية جُلَّ مقصدها الفلسفي لثنائية الدين/ الأخلاق، وجعلتها ضمن وعاء الموضوعات الكبرى لفلسفة الدين.

والأهم من كل ذلك، أن هذه الثنائية ستؤسس لرحلة مفتوحة من الأسئلة، سوف تأخذ الحداثة بعناوينها الإجمالية على امتداد قرون، ولم تنفك عنها إلى الآن. لقد انتصرت الحداثة على اللاّهوت، وابتنت علمانيتها الحادة بعقل بارد، ثم نظرت إلى الكنيسة بوصفها نابض إرجاع للزمن، وإلى المؤمنين بوصفهم كائنات أسطورية تُغرِقُ العالمَ بالظلمات.

انتصرت الحداثة على اللاّهوت، لكنها لم تستيقظ من نوام انتصارها بعد.. بل ثمة من رأى من الفرنسيين، أن الجمهورية لم تنتصر إلا بدحر الكنيسة.. لكنهم لم يلبثوا أن أدركوا أن انتصارها كان أشبه بانتصار فرنسا على نصفها الآخر.

حين نُقدت الحداثة من أهلها، قيل يومئذٍ إنها عادت إلى جاهلية من نوع آخر، جاهلية الهَوس بعالم صار عبداً لأوهامه وأشيائه. هذا بالضبط ما قصده اللاهوتي الألماني ديتريش بونهوفر، في رؤيته إلى الهوس الحداثي بقوله: "لقد صار سيد الآلة عبداً لها، وثارت الخليقة ضد بارئها. ولقد انتهى تحرر الجماهير إلى رعب المقصلة. والقومية أدت إلى الحرب.. وتفتَّحت مع الحداثة أبواب العدمية". هكذا يبدو غرب ما بعد الحداثة على أحرِّ من الجمر، بالنسبة إلى المسيحية المعاصرة.

كان ثمة تساؤل عما إذا كان الغرب سيتحول إلى مجتمع بلا دين.. إنه الهاجس الذي ملأ تاريخ الكنيسة الكاثوليكية المعاصرة، من البابا بولس السادس في الستينات إلى يوحنا بولس الثاني في الثمانينات والتسعينات، وصولاً إلى البابا الحالي بنديكت السادس عشر.

المرجعيّة المسيحية تبدو اليوم حائرة، بين أن ترفض الحداثة وما بعدها بوصفها محيطاً معادياً لتحقُّق المشروع المسيحي، وبين أن تعترف بالعلمانية كفضاء تشاركه رحلة "القضاء والقدر".

عند هذا الاختيار وذاك، يبقى سؤال الإيمان حاضراً، مثلما يبقى هاجس المسيحية على غرب قلَّ إيمانه، في أمر اليوم.. لقد تميزت القضايا التاريخية للمسيحية، بدءاً من العقدين الأخيرين من القرن العشرين المنصرم، بطابع محلّي، إلى جانب ما شهدته من جدل متواصل مع ظاهرة العولمة. فبسبب مرونة جغرافيات التواصل بين أجزاء العالم.

وبفعل فرص الاتصالات الناشئة من توسّع الشّبكة الإعلامية، وتحت دفع أشكال التّرابط الاقتصادي والسّياسي المتنوّع، تواجه التجمّعات المسيحية تحدّيات فعلية، وخصوصاً مستوى الإبداع في المجالات الاجتماعية والثقافية والرّوحية. ففي زمن التَّجديد، الذي أطلقته الكنيسة الكاثوليكية وعُرِفَ بربيع المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965م).

وبالتحوّلات اللاّهوتية، مقارنة بما كان سائداً خلال القرن التاسع عشر، تولّدت حالة من المراجعات النقدية، ناتجة من مظاهر وعي مستجدّة، ومن تجربة تنوّع الثقافات، وكذلك من الضرورات التاريخية السياسية، ومن الاحتياجات الرّوحية والدّينية.

في دراسة للمفكر واللاّهوتي الإيطالي برونو فورتي، مسعى للإضاءة على أبرز الإشكاليات اللاّهوتية والأخلاقية والسوسيوسياسية، التي تعيشها المسيحية بحرارة مرتفعة، في مستهل القرن الواحد والعشرين.