هل أثبتت المجزرة المروعة التي جرت في النرويج الأيام القليلة الماضية، أن الإرهاب لا دين له، وأن الإصرار على إلصاق تهمة الإرهاب طوال العقدين الماضيين بالإسلام والمسلمين، هو من قبيل التعنت الفكري والمذهبي، وبل والعنصرية العرقية؟
أغلب الظن أن ذلك كذلك، فـ"أندرس بيرينغ بريفيك" ليس إسلامياً متشدداً، بل بوصف المحققين النرويجيين "أصولي مسيحي". يضيق المسطح المتاح عن الحديث عن الأصولية في طبعتها المسيحية، وخاصة كما عرفتها أوروبا في القرون الوسطى، ولم تقدر النهضة لتلك القارة، إلا عندما خلعت عنها رداء الدولة الدينية، وإن لم يعن ذلك بالضرورة الكفر بالإيمان والأديان، بل الفصل بين ما لله وما لقيصر.
عبر التاريخ اليهودي ثم المسيحي فالإسلامي، وجد أفراد وجماعات تملكتهم الأصولية الفكرية، وارتكبوا بشاعات باسم الأديان، والتي هي براء من كل تشدد أو تعصب، عطفا على رفضها للكراهية والبغضاء.
تكتب الواشنطن بوسط الأميركية مؤخرا، مذكرة بأن الافتراض السريع بأن كل انفجار أو حادث إرهابي وراءه إسلاميون، أثبت خطأه مع الحادثين الإرهابيين الأخيرين اللذين وقعا في النرويج. وشبهت الصحيفة في تقريرها، ما جرى بتفجيرات أوكلاهوما سيتي الأميركية التي وقعت عام 1995، إذ سارع بعض الأبواق إلى التلميح بوجود عناصر "إسلامية إرهابية" وراء الحادث، غير أن "تيموثي ماكفاي" الفاعل الحقيقي، لم يكن إلا عنصريا يمينيا أميركيا.
تضرب الأصوليات جذورها في باطن التاريخ، منذ قلعة الماسادا اليهودية، مرورا بالصراعات العربية الإسلامية، وصولا إلى الحروب الصليبية، وفي جميعها كان المنطلق واحدا، وهو الإيمان بامتلاك الحقيقة المطلقة، وما عداها لا يستحق الحياة.
مجرم أوسلو "الأصولي المسيحي"، أطلق على نفسه "قائد فرسان الحق"، وفي شهادته التي بثها على شبكة الانترنت، والمكونة من 1500 صفحة، تتضح دمويته ورفضه لقبول فكرة التعددية الثقافية والدينية، وكذلك حملته ضد الإسلام والاشتراكية ووسائل الإعلام. ودليله ومنهجه في هذا المسار، هو الحركات المسيحية المتطرفة في أوروبا القديمة والحديثة على حد سواء.
هل تدفع أوروبا الآن ثمن علمانيتها المتطرفة، عبر ظهور تيارات يمينية مسيحية أو ملحدة كان مشهد أوسلو أحدها، واحتمالات تكرارها في دول أخرى واردة بقوة؟
في كتابه "الأنوار التي تعمي"، يلفت الفيلسوف الفرنسي المعاصر "ريجيس دوبريه"، إلى أن الغرب ذهب في شطحاته العلمانية إلى أقصى اليسار، وقد كان من الطبيعي ظهور حركات متطرفة مغرقة في يمينيتها، أقصى اليمين المسيحي، كما في الولايات المتحدة الأميركية بنوع خاص، وفي أوروبا على وجه العموم.
هذا التطرف المتصاعد، شد الانتباه إليه في العام الماضي تقرير صادر عن الشرطة الأوروبية "يوربول"، ويتناول حالة الأمن في القارة الأوروبية، وقد جاء فيه أن "اليمينيين المتطرفين في النرويج على اتصال بيمينيين متطرفين في السويد، ويمينيين متطرفين في دول أوروبية أخرى، كما أن ثمة اتصالاً بين نرويجيين ويمينيين متطرفين في روسيا".
وقد أخطا التقرير عندما اعتبر أنه "لا يوجد إرهاب يميني في القارة الأوروبية، وإن أصبح اليمين المتطرف أكثر حرفية في إنتاج دعاية ذات طبيعة معادية للسامية والأجانب على الانترنت، وأكثر نشاطاً على شبكات التواصل الاجتماعي". من سيدفع الثمن الأكبر لهذا التطرف المتنامي في أوروبا كأول من يدفع؟ وهل ما يجري من أوروبا إلى أميركا، سيؤكد وجاهة رؤية هنتنغتون في نظريته التصادمية عبر المرتكزات الثقافية والعرقية قبل الدينية؟
عقب أحداث أوسلو الأخيرة، كان "ماريانو اغويري" مدير المركز النرويجي لدعم السلام، يؤكد أن ما حدث يأتي في إطار موجة كره للأجانب وللإسلام في دول الشمال، في الدول الاسكندينافية، وكذلك في دول أخرى مثل فرنسا. ويكمل: "إن هذا الهجوم يحمل رسالة سياسية واضحة لحزب العمال ولحكومة "ستولتنبرغ" الذي يرى فيه المعتدي، ومن خلفه ربما، متسامحاً جداً مع ظاهرة الهجرة وتزايد أعداد المسلمين في البلاد"..
هل من صحة لهذا الكلام؟
في شريط الفيديو الذي بثه "بريفيك" قبل الهجوم، نجده يشير إلى أن "الإسلام هو الإيديولوجية الرئيسية للإبادة الجماعية"، وأنه "قبل البدء بحملتنا الصليبية الجديدة، علينا أن نقوم بواجبنا بالقضاء على الماركسية الثقافية".
وتبقى قبل الانصراف علامة استفهام رئيسية: هل هذا التطرف اليميني الأوروبي الذي يرى البعض ـ في المقابل ـ أنه مسيحي صليبي، كما رأى الغرب في أحداث سبتمبر 2001 أنها إرهاب إسلامي، مزيداً من الأرض ومن أسف شديد في قادمات الأيام؟
الباحث المحقق والمدقق، لا يغيب عنه أن الاضطرابات في العالم العربي، وبصفة خاصة في شمال إفريقيا، ستقود لتدفق عدد كبير من المهاجرين لأوروبا، وهذا قد يكسب التطرف اليميني والإرهاب المسيحي نقاطاً جديدة، من خلال توضيح نظرته الأوسع انتشاراً عن الهجرة من الدول الإسلامية لأوروبا.
هل هي عودة لظلاميات الحروب الدينية، وفشل لإقامة نموذج التعددية الثقافية؟
مهما يكن من أمر، فإن الأديان تبقى دعوة للتسامح والمحبة والصفح والغفران، فالله يجمع البشر تحت سمائه، لكن الناس يفترقون ويقتتلون باسمه، وفي هذا سر شقائهم الكبير.