قبل فترة لم تكن بعيدة أثار حفيظتنا دخول الإعلامي العالمي روبرت مردوخ بيتنا العربي ووضع قدمه في عقر دارنا من خلال شراكة إعلامية أتاحت له حصة تقرب من 10 بالمئة من أسهم شركة إعلامية عربية كبيرة، ليغدو إمبراطور الإعلام العالمي أو إخطبوطه كما يقال ضيفاً في بيوتنا شئنا أم أبينا، مستعدين لسماع حديثه وميوله وأفكاره التي قد لا نرضى عن أغلبها إن لم يكن جميعها.
ويومها حذرنا من هذا الإخطبوط الذي تدثر بالرغبة في الاستفادة من السوق الواعدة في الشرق الأوسط، وتسجيل الحضور الحقيقي في منطقة يشكل الشباب نسبة كبيرة من سكانها كما أن إجمالي ناتجها الداخلي مرشح لتجاوز اقتصاديات الدول الأكثر تقدماً خلال السنوات القادمة..
كما صرح يومها «جيمس مردوخ» نجل الإمبراطور، وقلنا يومها إن دخوله عبر مؤسساته إلى فضائنا وإعلامنا ينذر بالخطر على ثقافتنا مع علمنا وعلم العالم أجمع لا سيما العربي باتجاهات مردوخ وثقافته التي يحملها ويسعى إلى ترويجها بوصفها رسالة يحملها، ولا يمكن أن نقتنع أن الرجل الضيف يرغب بالاستفادة من التجربة الإعلامية العربية بأي شكل من الأشكال فضلاً عن الطموح بانتشالها من وهدتها لينقلها إلى فضاءات إعلامية كونية أرحب.
وقبل أيام صعق العالم بأن مؤسسات مردوخ لم تتخصص بالإعلام فحسب بل جندت صحفيين وإعلاميين ومؤسسات عالمية كبرى للتنصت على آلاف المكالمات الهاتفية، وطوعت لنفسها الاغتذاء من مصائبهم واستغلال اتصالاتهم عبر شبكة مخجلة تورط فيها عدد من قادة الشرطة البريطانية وشخصيات إعلامية كبرى في صحيفة «نيوز أوف ذا وورلد» الشعبية المملوكة لمجموعة «نيوزكورب»، تلك الفضيحة التي أدت إلى الإطاحة برئيس جهاز الشرطة البريطانية ومسؤول كبير آخر في «سكوتلاند يارد».
اعتذار مردوخ المضمخ بالأسى لم يكن مقنعاً للعالم أجمع، وتعهداته باتخاذ «خطوات ملموسة» لحل المشكلة، وبيعه «نيوز أوف ذا وورلد» الأسبوعية الأفضل مبيعاً في بريطانيا، وسحب عطاء قيمته 12 مليار دولار لشراء أسهم لا يملكها في شركة «بي سكاي بي» البريطانية للقنوات الفضائية، كل ذلك لن يعيد له غطاء الهيبة التي كان يرفل بها، بل سيفتح الأبواب على مصاريعها لما آلت إليها الشراهة الإعلامية والنهم لأناس لم يعد الإعلام هاجسهم بل آخر اهتماماتهم!!
هنا لا بد من وقفة حقيقية لمراجعة أوراقنا بصدق الغيورين على ثقافتنا وأوطاننا ومستقبلنا، ولنقل بكل جرأة وصراحة ما الذي يمنع مثل هذه الفضائح أن تقع في مجتمعاتنا عبر القنوات والمؤسسات الإعلامية التي فتحنا لها أبوابنا مرحبين ومهللين؟، وما الضامن أن نكون في يوم من الأيام ضحايا مثل هذه الهواجس الشرهة التي لا تحترم خصوصيات الناس، وتجعل من آلامهم ومصائبهم مادة للترويج الإعلامي والفبركات والتجسسات التي لا تليق بالناس العاديين فضلاً عن الإعلاميين المؤتمنين على خصوصيات المجتمعات؟
حين قلنا في بيتنا مردوخ كان الهاجس الثقافي والمجتمعي لوطننا وأمتنا يؤرقنا، وقلنا وراء الأكمة ما وراءها، مع اعتقادنا بضرورة الانفتاح على الآخر وقبول ثقافته والتواصل معها لكن دون الإخلال بثوابتنا ولجعل أدمغتنا مشرعة في مهب الفضاء المفتوح.
وليس بيننا وبين الرجل خصومة شخصية إلا أن الأمر لا يعدو كونه حضور مبادئ وخصوصيات نؤمن بها فنحترمها ونطلب من الآخرين أن يحترموها، ومبادئ وخصوصيات يؤمن الآخرون بمثلها ولا بد علينا أن نحترمها، ما دام التعاون قائماً على حسن النوايا بين الطرفين.
أما وجبل الجليد قد ظهرت قمته؛ فلا بد أن نمسح عن أعيننا ما يمكن أن يغشيها من أحلام التواصل والتكاتف والتعاون الإعلامي حتى توضع الأمور في نصابها، ولا نقع فيما وقع فيه الآخرون ونندم حين لا ينفع الندم.
وهل يمكن أن نقف قليلاً مع ذواتنا وهوياتنا لنقول للرجل مهلاً يا صديقنا فمن لا يعتبر بغيره لا بد أن يكون عبرة لغيره، واسمح لنا أن نبقيك بعيداً عند أبوابنا بدلاً من أن تدخل عقر بيوتنا مع كامل احترامنا لحضورك العالمي واترك لمؤسساتنا أن تنمو بحرية، وتكون تجربتها بما يتلاءم مع هويتها وطموحات مجتمعاتها.
وما يصدم حقاً أن الأمر أخذ من بعض أصحاب الشأن في هذه العلاقة مأخذاً آخر وحملوا عن الرجل تبعاته الأخلاقية وقالوا للعالم مكانكم أيها المتشائمون فالرجل عبر مؤسساته لم يفعل شيئاً سوى التنصت على الآخرين!! وضحى بما يشفع له ويكفر عن خطيئته وسيقوم من كبوته أقوى من الأول، وكأن جرائمه الأخلاقية لم تتعد استثماراته والاطمئنان عليها..
ها هنا نعلم أن الإبل تساق إلى موارد غير التي نعرف، وأن قليلاً من «اللا أخلاق المهنية» تذيبه الكثير من الأرباح والاستثمارات المالية، وأن خصوصيات المجتمعات ومصلحتها وحضارتها الفكرية آخر محطات الإعلام لدى بعض كبار الإعلاميين الذين قد يقفوا عندها للأسف.