بعد أن قلبت إسرائيل، بتواطؤ أميركي، طاولات التفاوض في وجوههم، تأبط صناع القرار الفلسطيني ملف قضيتهم ولوحوا باللجوء إلى الأمم المتحدة كي تنصف حقهم في الدولة أولاً ثم في تحرير هذه الدولة من الاستعمار الإسرائيلي تالياً. وبهذا التصرف أظهر المفاوض الفلسطيني قدراً من الحكمة والدراية بسبل الإفلات من مأزق الخيار الوحيد، الأمر الذي يتسق وتعريف السياسة باعتبارها فن صناعة البدائل.
بالانتقال من أحابيل التفاوض المباشر وغير المباشر إلى دائرة القانون والتنظيم الدوليين، لم يغادر الطرف الفلسطيني التزامه بمجال المقاومة والتسوية بالوسائل السلمية. وهذا تكتيك ينتمي بدوره إلى الفطنة بوجود بدائل أخرى داخل المجال ذاته، غير الانصياع للإملاءات الإسرائيلية التفاوضية وغير الذهاب المغاضب أو الانفعالي إلى الوسائل العنيفة في مناخ ومعطيات قد لا تكون مواتية.
بيد أن هذا الطرف، ومن أجل تجلية مزيد من الاهتمام بالنظرة الشاملة (الاستراتيجية)، ربما تعين عليه التفكير أيضاً في بديل البديل الذي هو بصدده.. وهو ما يقتضى الانشغال بإعداد إجابات عن أسئلة ما بعد الذهاب بملف الدولة إلى الأمم المتحدة.
أحد أهم هذه الأسئلة هو ماذا لو نجحت هذه الخطوة وتم الاعتراف بالدولة الفلسطينية عضواً، وإن كان محتلاً، بالهيئة الأممية بصفة (?non member state)
المتصور أننا سنعود في هذه الحالة إلى المربعات السابقة؛ المتعلقة بتحرير هذه الدولة. وهو ما يثير السؤال الرديف عن وسائل وآليات تحقيق هذا الهدف؟.. ولما كان من غير المتوقع إطلاقاً أن تمضي الأمم المتحدة في هذا السياق إلى استخدام القوة المسلحة طبقاً للفصل السابع من ميثاقها، فمن المرجح أن يعود المعنيون إلى السيناريوهات وخرائط الطرق التي سبق تداولها سراً وعلانية.. كالضغوط السياسية والاقتصادية والقانونية والأخلاقية ضد إسرائيل، وبناء الحقائق الفلسطينية وتجريم التصرفات الإسرائيلية على الأرض، دون استثناء التفاوض وان جرى من نقطة حقوقية فلسطينية أقوى.
رب قائل هنا بأن مثل هذا التشوف يعيد إنتاج المشهد الراهن، وهذا صحيح إلى حد ما. وفى تقديرنا أن كل الأدوات المرشحة عملياً لتحرير فلسطين الدولة، ربما وجهت الأنظار مجدداً إلى عالم الغرب، ولاسيما القطب الأميركي، بحسبه العائق الأكبر أمام تمرير هذه الأدوات وتفعيلها. وفى ضوء العداء الأميركي للخطوة الفلسطينية العتيدة، فإن على الجانب الفلسطيني التهيؤ لاحتمال عودة الوساطة الأميركية المصحوبة بقدر أعلى من عدم النزاهة والروح الانتقامية.
ومن المؤكد أن هناك تساؤلات وهواجس ترتبط باحتمال أو سيناريو لا يصح استبعاده من المشهد، وهو فشل المبادرة الفلسطينية.. فلأسباب شكلية أو موضوعية، قد تخفق جهود اعتراف الأمم المتحدة بفلسطين الدولة أو بقبول عضويتها المحجوبة بفعل الاحتلال، وقد يؤجل البت في المطلب الفلسطيني إلى إشعار آخر.
وقوع مثل هذا الاحتمال سيؤدى إلى تداعيات خطيرة على الداخل الفلسطيني بالدرجة الأولى.. كمواربة الباب أمام عملية تلاوم كبرى وتبادل للاتهامات حول مسؤولية هذا الإخفاق، وإعادة إنتاج الجدل والتناظر بشأن حصافة الخطوة من الأصل، وتصدع وربما انهيار المصالحة الفلسطينية الوطنية. ومن غير المستبعد أن تطال هذه الصدوع أو الشقوق أو حتى الانشقاقات قوى سياسية كبيرة في النظام الفلسطيني. هذا دون الحديث عن الجروح النفسية البليغة التي قد تنال من الحالة الفلسطينية بعامة، على صعد الجمهور والنخب والقوى السياسية.
وفي مناخ كهذا قد تنفلت بعض قوى التطرف من عقالاتها، ليس فقط فلسطينياً، بل وربما عربياً أيضاً. إذ ستصبح التربة أكثر خصوبة لاندياح دعاوى ودفوع أصحاب البرامج الموصوفة بعدم الاعتدال؛ الرافضين للتسوية السلمية؛ المشككين في جدوى بلوغ الأهداف الوطنية الفلسطينية بمعنييها التاريخي والقانوني عبر التنظيم الدولي.
وبالمقابل، سيبلغ الغرور الإسرائيلي والشعور بالزهو والاستقواء مديات فلكية، وستحاول الدبلوماسية الإسرائيلية، محفوزة بسيطرة الأكثر تطرفاً وعنصرية، ترجمة ذلك كله ضغوطاً وتجبراً ضد الجانب الفلسطيني المحبط والمرتبك.
فماذا أعدت السياسة الفلسطينية (وظهيرها العربي) من بدائل للتعامل مع هذا المشهد؟.. وماذا أعدت لمواجهة احتمال التراجع عن خطوتها المزمعة في لحظة أو أخرى، بناء على مستجد أو آخر يؤدي بها إلى إعادة تقدير الموقف؟.. هل تحسبت لانعكاسات مثل هذا الاحتمال وتبعاته، في ضوء عمليات الشحن والتعبئة الجبارة سياسياً ودبلوماسياً وإعلامياً ونفسياً، التي اضطلعت بها لشهور على مساحة تغطى القارات الست؟