انشغلت العديد من المنابر بإثارة مسألة الزواج بأجانب، والتي يطلق عليها جزافاً مصطلح الزواج المختلط، وهو في اعتقادي مفهوم خاطئ، لأن تعبير زواج مختلط يستدل منه غير المعنى المقصود، لأن علماء الانثروبولوجيا الثقافية درسوا العلاقات الزوجية في المجتمعات التقليدية في افريقيا وآسيا وجزر إميركا اللاتينية، فوقفوا على حالات زواج جماعي اطلقوا عليها الزواج المختلط، ولكن ما يجري الحديث بشأنه في الصحف المحلية هو الزواج بأجانب.
وهي حالة أو ظاهرة اجتماعية سالكة في كل المجتمعات البشرية، كما أنها موغلة في القدم، وتعني أن يتزوج رجل من امرأة ليست من جنسيته أو ديانته أو أصله العرقي والعكس قد يكون صحيحاً، وهي ظاهرة نجمت عن التواصل التجاري والحضاري والثقافي بين الشعوب، حيث تتوفر بيئة وظروف موضوعية لنشأة علاقة بين رجل وامرأة من جنسيتين مختلفتين قد تؤدي إلى ارتباطهم بالزواج، والمعروف تاريخياً أن المجتمعات التقليدية والعشائرية تتربى على المحافظة على أصلها العرقي دفاعاً وحفاظاً على قيمها الاجتماعية وعاداتها وتقاليدها الموروثة.
وهو وضع اجتماعي وعرف مازالت تتمسك به هذه المجتمعات القبلية، والشاهد أن موجات التغيير الاجتماعي والسفر واتساع نطاق التجارة الدولية أدى إلى توسيع نطاق العلاقات الاجتماعية والاختلاط بين البشر، كما أن وسائل الاتصال والسفر للدراسة بالخارج أتاح فرصاً للتلاقي والحوار وتبادل الآراء والإفكار.
ومن ثم إصبح ممكناً إن تتطور علاقة امرأة ورجل من جنسيتين مختلفتين إلى طلب الزواج الذي عادة ما يقابل بالرفض الشديد في المجتمعات العشائرية، وقد يصل إلى حد القتل أو المقاطعة الكلية، وهناك الكثير من الأسر التي أعلنت مقاطعة أبدية مع أبناء وبنات من المواطنين لأنهم أصروا على الزواج خارج نطاق القبيلة أو الوطن.
ومن جهة أخرى يثار سؤال حول الأجنبي، والوافد الأجنبي في تقديري هو غير العربي، لكن مع هبوب رياح التغيير في عالم أصبح قرية ومع تزايد فرص التعارف بشتى أنواع الوسائل، لأن التعليم يذيل الغشاوة الثقافية ويعمل على كسر الحواجز التي تفصل بين الناس.
وأصبحت الأعراف الدولية تدعو إلى تقارب الشعوب ولهذا يتم التمثيل الدبلوماسي بين الدول لزيادة العلاقات والمصالح المتبادلة، وعلى ذات المنوال صار مقبولاً في المجتمعات غير التقليدية الزواج بالآخر سواء في أوروبا أو آسيا أو أفريقيا أو الأميركتين، وذلك حسب القرب أو البعد من المناطق التقليدية المقلقة التي تحكم أفرادها ضوابط اجتماعية صارمة يتعذر على الفرد تجاوزها أو التمرد عليها بأي حال من الأحوال.
علمياً لم يثبت بشكل قاطع أن الزواج بأقرب الأقربين يؤدي إلى الوفاق والرضا الزوجي، كما لم يتأكد بشكل قاطع ان الزواج بأجنبي مصيره الفشل المحقق، فبقدر وجود نسب مقدرة لزواج مواطنين انتهت بالطلاق هناك ما يفيد أن الزواج بأجنبي مصيره الفشل .
ولكن هناك تجارب ناجحة بين الحالتين مع ترجيح أقوى لفشل الزواج بأجنبي إذا بقي الزوجان في بلد المنشأ حيث يزيد الضغط الاجتماعي، ولعل ذلك ما يفسر الهروب إلى خارج الوطن لإتمام مراسيم الزواج والإقامة بعيداً عن مناطق الرفض الاجتماعى.
ويرى العديد من المعنيين بالدراسات الأسرية أنه من المرحب به أن يتزوج الفلبيني بفلبينية أو يابانيه بياباني، لأن التقارب الفكري والثقافي يساعد على التوافق والرضا الزوجي، ومع ذلك يبقى الزواج مسألة شخصية للغاية لكن المجتمع أحد أطرافها.
في جميع الأحوال يبقى الزواج (حالة خاصة) لا تخضع للمعايير أو مؤشرات قياس مطلقة، الزواج حالة أو ظاهرة اجتماعية يتم عبر قناعة فردية مشروطة بقبول اجتماعي وتحكمه أعراف وتقاليد موروثة من الصعب عصيانها أو التمرد عليها خصوصاً في المجتمعات ذات الأصول والانتماء القبلي ولهذا لا يتم أي زواج إلا بعقد وشهود وحضور اجتماعي مكثف ليكتسب مشروعيته.
والزواج المختلط رغم كثرة معارضيه لا يمكن منعه أو تحريمه بقانون لأن سبل التحايل عليه عديدة والأمثلة على مسميات بديلة كالزواج العرفي أو زواج المسيار يتم الترويج لها للخروج على المعايير الضابطة والمانعة، وما دام لا يمكن منع الزواج بأجنبي أرى أن أحد الحلول أن يتم تنظيمه وضبطه، وها هي الشبكات الاجتماعية فتحت أبوابها للشباب لتبادل الأحاديث والصور والأفكار بعيداً عن عيون الأهل، مما يزيد من فرص الزواج بالآخر.
لذا فالمنع ليس حلاً، بدليل أن هنالك العديد من دول المنطقة سارعت بسن تشريعات (لتنظيم) حالات الزواج بأجانب من بينها سلطنة عمان، وحسب علمي أن مسودة لقانون تم إعدادها ولعلها ما زالت قيد البحث والمراجعة لتنسجم مع واقع وخصوصية مجتمع الإمارات كمجتمع قبلي وعشائري له خصوصيته الثقافية والتراثية.