مخطئ من يظن أن زمن الاستعمار والوصاية قد ولى، فثمة استعمار ووصاية من نوع جديد يطلان برأسيهما كلما اعتقدنا أننا قد تخلصنا من الاستعمار التقليدي الذي عانت منه أوطاننا عقوداً من الزمن.

وأفرز لنا أشكالاً من أنماط الحكم التي ثارت على ذلك الاستعمار، حسبناها في البداية طوق النجاة الذي سيخلصنا منه فإذا بها تدخلنا في عهد من الاستبداد لا يقل سوءاً عن الاستعمار، نأمل أن تخرجنا منه ثورات «الربيع العربي» التي نتمنى أن لا تضل هي الأخرى الطريق فتقودنا إلى مراحل من الصراع والفوضى أخرى أشد خطراً على أوطاننا العربية مما كانت فيه.

قبل أيام نسبت صحيفة JEWISH JOURNAL اليهودية الأميركية إلى مبعوثة وزارة الخارجية الأميركية لمكافحة معاداة السامية «هانا روزنثال» أن مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان التابع للوزارة سيبدأ قريباً دراسة نصوص المقررات الدراسية السعودية لمعرفة ما إذا كانت تحض على عدم التسامح. وقالت «روزنثال» إن المكتب سيكلف خبراء بدراسة المقررات السعودية بحثاً عن أي أوصاف غير ملائمة لغير المسلمين، بما في ذلك العبارات التي تعد معادية للسامية.

وجاء في الخبر أن السعودية كانت قد نفت مراراً وجود أي محتوى غير متسامح في مقررات مناهجها الدراسية، وشددت على أن المقررات خضعت لمراجعة دقيقة لإزالة أي محتوى قد يكون مسيئاً، لاسيما وأن المملكة تقود مبادرة عالمية للحوار بين الأديان والثقافات.

وأشارت الصحيفة إلى أن «روزنثال» زارت الشهر الماضي لبنان والأردن والسعودية، والتقت جماعات تشجع حوار الديانات، ومسؤولين تعليميين في كل من السعودية والأردن، وأنها واجهت أولئك المسؤولين الذين لم تسمهم بنماذج العبارات المعادية للسامية في مقررات المدارس التي تمولها السعودية في باكستان والأرجنتين.

لكنها قالت إن المسؤولين السعوديين أبلغوا «روزنثال» أنه لم تعد هناك عبارات من هذا القبيل في مقررات الدراسة السعودية، وإذا نجح مكتبها في العثور على أي نماذج تحض على عدم التسامح، فإنهم على استعداد للقيام بتغييرها.

الخبر الذي نشرته الصحيفة الأميركية التي يعبر اسمها عن هويتها الدينية، بينما يطلب منا حاملو لواء التسامح عدم الإشارة إلى هويتنا الدينية، هذا الخبر يعني أننا مقبلون على استعمار جديد أخطر من الاستعمار القديم الذي عانى منه وطننا العربي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، بعد تهاوي الإمبراطورية العثمانية، آخر إمبراطورية تحمل الهوية الإسلامية.

وبعد التفاهم السري الذي تم عام 1916 بين فرنسا والمملكة المتحدة، بمصادقة من روسيا القيصرية، وعرف باسم «اتفاقية سايكس بيكو» التي نصت على اقتسام الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا، وما جرته هذه الاتفاقية على العالم العربي من ويلات يعرفها الجميع.

وإذا كان الاستعمار التقليدي القديم قد هدف إلى السيطرة على الأرض ومناطق النفوذ في زمن كانت وسائل الاتصال والتواصل بين البشر فيه متخلفة وصعبة، الأمر الذي ساعد على تحقيق أهدافه، فإن الاستعمار الجديد يهدف إلى السيطرة على العقول ومناطق التفكير في زمن أصبحت وسائل التواصل بين البشر فيه متقدمة وسهلة، الأمر الذي يعني أننا مقبلون على استعمار فكري يُخضِع العقول لمحاكم تفتيش أشد قسوة من محاكم التفتيش التي نصبتها الكنيسة الكاثوليكية في الألفية الثانية لمحاكمة من سمتهم بالمهرطقين من مخالفي الكنيسة.

ومعاقبتهم باستخدام أبشع وسائل التعذيب من تقطيع الأوصال والحرق أحياء، حتى بلغ الحجر على العقول درجة جعلت الفاتيكان ينشئ في القرن السادس عشر مكتباً، لم يُلغَ إلا عام 1965م، كانت مهمته منع المسيحيين من قراءة الكتب التي تعتبرها الكنيسة ضارة بالعقول أو خطرة على العقيدة، وتم وضع معظم الكتب الفلسفية والعلمية على لائحة الكتب الممنوعة، ولم يجرؤ أحد على قراءة هذه الكتب إلا بعد أن تقلص نفوذ الكنيسة، وانحسرت سيطرتها على العقول بظهور الدول الحديثة التي قطعت صلتها بعصور التخلف تلك.

إن رفضنا لمحاكم التفتيش الجديدة، التي تبشر بها السيدة «روزنثال» وتنوي إعادة بعثها، لا ينبع من تأييدنا لفكرة معاداة السامية أو أي عرق من البشر، أو رفضنا لمبدأ التسامح والتعايش بين جميع الأعراق والأديان والعقائد والملل والنحل، وإنما هو نابع من رفضنا لمبدأ الوصاية على العقول، والولاية على الشعوب، ومعاملة الآخرين على أنهم قٌصّر عاجزون عن فهم وإدراك ما هو في صالحهم من عدمه.

نحن لا ننكر أن هناك قصوراً في مناهجنا الدراسية من أقصى الوطن العربي إلى أقصاه، ونحن أول من طالب ويطالب بإصلاح هذه المناهج وتنقيتها من الشوائب والأفكار التي تعيق تطور عقول أطفالنا وأبنائنا الذين ندّخرهم للمستقبل، ونعمل على إعدادهم لعصر مختلف، لا مكان فيه للانغلاق والانكفاء على الذات ومعاداة الشعوب والأديان الأخرى.

ولا نعتقد أن ما يعيق تطور هذه العقول هو ما تدعيه السيدة «روزنثال» من أفكار معادية للسامية، أو أوصاف غير ملائمة لغير المسلمين، تخشى مبعوثة وزارة الخارجية الأميركية لمكافحة معاداة السامية من تسللها إلى مقررات مدارسنا وتسميم عقول أطفالنا التي نريد لها أن تتفتح على عالم لا مكان فيه لمثل هذه الأفكار، دون وصاية من أحد عليه، أيًّا كان موقعه أو ملته، لأن ديننا الإسلامي هو دين التسامح والتآلف بين الشعوب والأمم، حتى لو حاول البعض، من أبنائه وأعدائه على حدٍّ سواء، تشويه هذه الصورة أو الإساءة إليها.

محاكم التفتيش الجديدة التي تطل علينا بوجهها القبيح الذي نسيه أصحابها ومبتكروها، بحاجة إلى «ثورة ربيع» من نوع آخر، كي لا نجد أنفسنا في «فصل خريف» طويل لا نهاية له هذه المرة.