عندما أعلن عن موافقة الدول الخليجية على انضمام الأردن والمغرب إلى مجلس التعاون الخليجي، أثار هذا الموضوع فضول العرب أكثر من الغرب. وهذه أيضاً واحدة من المفارقات العجيبة المضحكة لدينا.
الشعوب الغربية فهمت الأمر بسرعة لأنها صنعت تجربة أكثر غرابة من هذه. فقد ضم الاتحاد الأوروبي في فضائه أكثر من 27 دولة مختلفة الأعراق واللغات والعادات والتقاليد والفكر والنظام. لذا لم يستغرب من فكرة أن يضم المجلس الخليجي دولتين عربيتين بنفس اللغة والدين والعادات والتقاليد والفكر.
بل أبدى اندهاشه أن لا تنضم دول عربية أخرى إلى هذا المجلس رغم قدمه وخبرته. بل أندهش أكثر من أن تتحارب الدول العربية فيما بينها وتدعو إلى الانشقاق والتباعد والاحتلال، كما حدث ما بين العراق والكويت قبل زمن ليس ببعيد.
أقصد أنه لم يقع في العصور الوسطى. أما سبب إثارة فضول العرب، فيعود إلى أنهم لم يتعودوا الاتحادات والتعاون فيما بينهم. فلم يفلح قط مشروع وحدة لأكثر من سنتين. وبعدها لم تتكرر التجربة قط.
تجربة الاتحاد العربي الوحيدة التي نجحت بعد النهاية الرسمية (وليست الفعلية) لزمن الاستعمار تمثلت في تجربة اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة والتي راهن الكثيرون على فشلها كغيرها. غير أنها صمدت وأثبتت نجاحها وبرهنت على أن العرب ــ إذا أرادوا - فهم قادرون على الاتحاد والاستمرار وإلغاء الحدود الجغرافية الوهمية التي هي تطبيق صريح لمخططات الاستعمار في الشرق الأوسط. وخرج من صدر هذا الاتحاد اتحاد دول الخليج تحت عنوان مجلس التعاون الخليجي.
صحيح أن كلتا التجربتين ليستا كاملتين ولا مثاليتين، ولكنهما أقصى ما يمكن عمله حتى الآن. وهذا يعني أن اتحاد الإمارات ومجلس التعاون الخليجي أشبه ما تكون بالمشروع الأولي لمشروع أكبر. وهذان المشروعان فتحا أبوابهما ليمهدا لمشروع عربي يلبي طموح الشعوب التي ضاقت ذرعا بالتمزق والتشرذم والانفصالات التي تزيد ولا تنقص.
إن مجرد الاسم يجب ألا يكون عقبة في اتحاد أوسع. فكلمة خليجي ليست قرآنا منزلا، وإن الاتحاد الخليجي يمكن أن يضم ليس فقط المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة المغربية، وإنما أي أعضاء آخرين من دول عربية ترتبط فيما بينها بلغة واحدة وآمال متقاربة.
لقد أثبتت دولة الإمارات من خلال تجربتها وكذلك مجلس التعاون الخليجي من خلال مسيرته بأن روحه وتطلعاته ونظرته المستقبلية والعربية أكبر وأوسع وأشمل بكثير من فتحة ثقب الباب التي من خلالها ينظر الآخرون إلى الوحدة العربية.
لقد تحول اتحاد الإمارات العربية المتحدة إلى أشبه ما يكون بالهواء والماء والشمس لشعب الإمارات الذي اندمج فيما بينه حتى لم يعد يفهم كيف يمكن للشعوب العربية أن تعيش ممزقة إلى حد الاقتتال؟ وبالتالي، لم تعد فكرة انضمام دول عربية جديدة أيا كانت أنظمتها غريبة عليه، بل مطالبا بها.
صحيح أن هناك ظروفا خاصة تعود للأوضاع غير المستقرة في الشرق الأوسط قد تكون دعت إلى ضرورة انضمام هاتين الدولتين إلى مجلس التعاون الخليجي، وأياً كانت هذه الظروف، غير أن الهدف في النهاية هو الحماية والتعاون المشترك. فالشارع العربي يغلي، والتدخلات الغربية ليست نظيفة اليدين، والمخططات للاحتلال على شاكلة احتلال العراق جاهزة للتنفيذ، والخاسر الأكبر بالنسبة لمن لم يحسم أمره في الوقت المناسب هو التشتت.
فالمطالبة بالتغييرات القادمة في بعض الدول العربية ربما لن تحظى لا بنجاح ثورة مصر وتونس ولا بتوابعها. لذا وقعت دول كليبيا واليمن وسوريا التي في عزلة خانقة في مطب الانقسام الداخلي وعدم الحل الحاسم. فالدول الغربية من خلال ضربات حلف الناتو ــ بعد انحسار الدور الأميركي بعد تجاربه المريرة ــ وجدت نفسها غير قادرة على حسم الأمر لانعدام خبرتها في مثل هذه المسائل.
ويبدو أن انسحابها من ميدان المعركة أصبح وشيكا وبالتالي سيقع الشعب الليبي في مصيدة القذافي. حتى وإن نجحت فإن توابع نهاية المعركة سوف يدفعها الشعب الليبي على مدى طويل من الزمن تماما كما حدث في أفغانستان والعراق.
إن مشاكل الشعوب العربية ليست فقط في الأنظمة ولكن أيضاً في عدم تلاحمها وحل مسائلها الداخلية فيما بينها بالعقل والمنطق وبما يتماشى مع الزمن الحاضر. ففشل الجامعة العربية يعود أساسا إلى هذه الأسباب. حيث ظلت اجتماعات القادة العرب مجرد فرص للانتقام أو لتبادل التهم وعدم التحاور بصراحة لتغيير الأوضاع الداخلية لكل بلد. وظلت تدور حول نفسها دون أن تصل إلى هدفها.
نحن في حاجة إلى اتحاد جاد تحميه مظلة مسئولية الشركاء أمام أنفسهم وتغليب المصلحة العامة للشعوب على مصلحة النظام. الشعوب العربية لا تطالب بتغيير الحاكم بل بتغيير الوضع القائم. الشعوب العربية في حاجة إلى فرص عمل، إلى بنية تحتية سليمة تلبي حاجة المجتمع، إلى فرصة للتعبير عن آرائها دون رهبة من الانتقام، إلى محاربة الفساد بشتى أشكاله، إلى نزول الحاكم من برجه العاجي إلى الشارع...
وهذا لن يتأتى إلا إذا تلاحمت الأنظمة وقررت أن تعمل تحت مظلة واحدة وبمسئولية مشتركة. وهذا ما حفز دولا أخرى إلى الانضمام إلى مجلس التعاون الذي ما زال يسعى لتطوير نفسه بدافع تحسين أوضاع شعوبه.