قيل لنا بشكل شبه يومي على مدى الأشهر الأربعة الماضية إن الرئيس الليبي معمر القذافي مستعد للاعتراف بالهزيمة والتخلي عن السلطة. ففي نهاية المطاف، ليست ليبيا أفغانستان أو عراق بعيدة بعدد سكان يبلغ نحو 30 مليون نسمة. إلا أن هذه الدولة البوليسية الصغيرة التي يقل سكانها عن 7 ملايين نسمة، والتي تقع على البحر المتوسط قبالة أوروبا المجاورة، لا تزال تعوق القوى الثلاث الكبرى في حلف «ناتو» والآلاف من الثوار في «الربيع العربي». في شهر مارس الماضي، أصدر الرئيس الأميركي باراك أوباما أوامره باستخدام قاذفات أميركية وصواريخ كروز للانضمام إلى نظيراتها الفرنسية والبريطانية بهدف الاجهاز على نظام القذافي المترنح. فقد اكتوى أوباما على ما يبدو بانتقادات ليبرالية مفادها أن الولايات المتحدة لم تقدم شيئا يذكر لمساعدة الثوار في جهودهم التي استمرت أسبوعا لخلع القذافي، بعد التأخر في دعم جهود الثوار الناجحة في تونس ومصر.

منذ أشهر، بدا التدخل لإدارة أوباما وسيلة قصيرة وغير مؤلمة لتخليص العالم من تهديد دولي امتد لعقود طويلة، في حين كسب الثناء الدولي لمساعدة الإصلاحيين «الديمقراطيين». والنفط، بالطبع، يعتبر دائما مسألة ضمنية في أي حرب تشتعل في الشرق الأوسط. ولكن سرعان ما ظهرت التناقضات. ففي بعض الأحيان كنا نأمر القذافي بالرحيل، وفي أحيان أخرى كنا نصر على أننا نساعد الثوار فقط. ويبدو أن القنابل كانت تستهدف عائلة القذافي، رغم أننا كنا ننفى حدوث القتل المستهدف من هذا القبيل، ويتم تذكيرنا بأن القانون الأميركي يمنع اغتيال زعماء أجانب.

لقد تم وصف الثوار بأنهم إصلاحيون ديمقراطيون، أو هواة غير أكفاء، أو متشددين، أو مزيجا من هذه الصفات الثلاث. لا يبدو أن أحداً يملك أجوبة بعد مرور أشهر عدة، برغم أن العديد من المسلحين يشاركون الكراهية العميقة العنصرية والدينية مع مرتزقة القذافي الأفارقة. من يدري ما إذا كان ليبيا في مرحلة ما بعد القذافي سوف تصبح جمهورية إسلامية أم أشبه بالصومال، أم دكتاتورية عربية أخرى، أم دكتاتورية ديمقراطية على النمط التركي؟

وكلما دمرت قوات «ناتو» المزيد من الدبابات والمدفعية والطائرات والزوارق للقذافي، كلما بدا الدكتاتور متشبثاً بالسلطة. فقد نسي القادة الغربيون أن القذافي خسر الحرب مع مصر في عام 1977، وخسر حرباً مع تشاد في عام 1987، إلا أنه ظل يتشبث بالسلطة ولا يزال أكثر الدكتاتوريين على ظهر هذا الكوكب. ويعد الإرهاب والنفط والاحتياطيات النقدية وجيش المرتزقة بمثابة مزيج مؤثر.

لقد طلبت إدارة أوباما الحصول على تفويض قانوني من الجامعة العربية، والتي لا يتمتع غالبية الدول الأعضاء فيها بالديمقراطية، وكذلك طلبت التفويض من الأمم المتحدة، ولكن حتى يومنا هذا لم تطلب التفويض من الكونغرس. وفي الوقت الذي سعى أوباما إلى الشرعية الدولية في إطار التفويضات، إلا أنه فشل في الإشارة إلى أن أي قرار من الأمم المتحدة أو الجامعة العربية في الواقع أعطى له الضوء الأخضر بشن حرب جوية واسعة النطاق ضد الطغمة الحاكمة في نظام القذافي. ويشعر الصينيون والروس بقدر من السعادة في توضيح هذا الأمر.

فقد أصابت المحافظين والليبراليين، على حد سواء، حالة من الذهول إزاء الحرب الاستباقية المفاجئة. فالمحافظون الذين أيدوا الفوضى في أفغانستان والعراق كانوا مترددين بشأن تأييد حرب ثالثة في ليبيا دون الحصول على تفويض من الكونغرس، ودون أي مهمة واضحة أو منهجية. وعندما دخلنا دورة أخرى من العمليات العسكرية، وجه الجمهوريون اتهاماً بأن أميركا التي تعاني الإعسار مالياً، كانت «تقود من الخلف». فزع الليبراليون من أن الرئيس أوباما، عندما كان عضواً في مجلس الشيوخ، كان يشيد دائماً بقانون سلطات الحرب، وهو يأمر فريقه القانوني الآن بإيجاد سبل مبتكرة لتجاوز ذلك.

فإذا كانت تلك حرب متعددة الأطراف وليست مقترح من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، فلماذا أحدثت انقساماً بين حلف ناتو؟ لقد رفض ما يقرب من نصف الأعضاء المشاركة بالحرب، وسرعان ما أعلنت كل من ألمانيا وإيطاليا معارضتهما العلانية لهذا التوجه. وانتقد اليساريون أيضاً الهجمات الغربية على الدول المصدرة للنفط، ولكن زعيم الليبراليين الرئيس أوباما كان يفعل ذلك تماماً. وفي الواقع، كان الرئيس المناهض للحرب الذي وعد بوضع حد للحروب منذ عهد بوش في الشرق الأوسط بتوسيع نطاق هذه الحروب فجأة إلى ساحة ثالثة. وكلما طال أمد الحرب، كلما انقسم العالم العربي بين كراهية القذافي، وكراهية قنابل أوباما. فما هي الخطوة التالية؟

يشير التوافق العام في الآراء، سواء من اليسار أو اليمين، إلى أننا يجب أن ننهي المغامرة بأسرع وقت ممكن. وعلى ما يبدو، فإن السبيل الوحيد الأسوأ لبدء حرب حمقاء غير ضرورية ضد رجل مجنون هو خسارتها.

أستاذ في جامعة ستانفورد الأميركية