عقد في دمشق وخارجها خلال الأسابيع الماضية عدة لقاءات ومؤتمرات أشرفت عليها السلطة أو المعارضة، أو كان الإشراف بين بين، وبدأت طلائع هذه اللقاءات بلقاء المثقفين السوريين الذي عقد في فندق سميراميس في الشهر الماضي وحضره أكثر من مئة مثقف من المعارضة والموالاة ولم تمنعه السلطة بل كانت راضية عنه ويقال إنها حرّضت على قيامه ووافقت على عقده، ويشير بعض المحللين أن السلطة كانت تهدف من وراء الموافقة إقناع الإدارة الأميركية والدول الأوروبية أنها بدأت تسمح بلقاءات الحوار داخل سورية، وتقبل اجتماعات المعارضين، وبالفعل فقد أصدرت الإدارة الأميركية ووزارة الخارجية الفرنسية تصريحات أكدت أن هذا الأمر إيجابي، وأنه بداية لأمور أخرى لتعزيز الإصلاح في سورية، مع أن المؤتمر لم تشارك به أحزاب المعارضة لا بصفتها كأحزاب ولا أحد من قياداتها أو من مثقفيها.

بعد أيام قامت أحزاب المعارضة السورية بتشكيل قيادة تنسيق موحدة مؤلفة من 19 عضواً وعقدت مؤتمراً صحفياً علنياً لأول مرة حضره عدد من الصحفيين، أعلنت فيه بيانها السياسي وأسماء قيادتها الجديدة ونقدها للسلطة وشروطها لمحاورتها، ولم تتدخل قوى الأمن أو السلطة لمنع ذلك المؤتمر الصحافي أو تفريق المؤتمرين. كما هي العادة، كما لم تعتقل أحداً رغم النقد القاسي لسياساتها.

في العاشر من الشهر الحالي عقدت السلطة السورية لقاءً تشاورياً في دمشق، برئاسة فاروق الشرع نائب رئيس الجمهورية، حضره حوالي (200) شخصية معظمهم من السلطة أو أنصارها أو ممن لهم أفكار معارضة. وقد دعيت أحزاب المعارضة لحضوره بصفتها أحزاب معارضة وليست أفراداً، لكن هذه الأحزاب بكافة أطيافها رفضت المشاركة سواء كانت تيارات أو قوى أو منظمات أو شخصيات مستقلة من داخل سورية أو خارجها، وبررت رفضها للدعوة بعدم توفر المناخات المناسبة للحوار، وشددت على ضرورة توافر ثمانية شروط للمشاركة منها سحب الجيش من المدن والبلدات، وإيقاف العنف ومحاسبة المسئولين عن القتل والسماح بالتظاهر السلمي وإيقاف التجييش الإعلامي وتفعيل إلغاء حالة الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين جميعهم والتعهد المسبق بإجراء تعديلات دستورية واسعة تسمح بالانتقال إلى نظام ديموقراطي تعددي. ورغم هذا الرفض أصرت هيئة الحوار (التي كان قد شكلها الرئيس بشار الأسد قبل شهرين ) على المضي قدما وعقد اللقاء بمن حضر.

ناقش اللقاء الأوضاع الدستورية وهيكلية الدولة والأزمة داخل النظام والمجتمع بشكل عام، واحتج البعثيون المشاركون في المؤتمر على المطالبة بإلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تخول حزب البعث قيادة الدولة والمجتمع، ورفضوا مناقشة تقليص الامتيازات السياسية التي يحظى بها الحزب والحزبيون، ورأوا أن هذه المطالب هي اجتثاث للبعث وحل للسلطة وستؤدي إلى خلل في بناء الدولة، بينما طالب عدد من المحاورين تعديل الدستور بكامله بما يعني تغيير هيكلية الدولة وصلاحيات الرئيس ومجلس الوزراء والمحكمة الدستورية العليا ومجلس الشعب.

 كان البيان الختامي متواضعاً فلم يشر إلى ضرورة إنهاء الحل الأمني ووقف التجييش الإعلامي، أو إلى تفعيل إلغاء حالة الطوارئ والاعتراف بتداول السلطة، ولم ترق مطالبته بإخراج المعتقلين السياسيين إلى قرار بل صاغها على شكل توصية، وترك تنفيذ كل هذه التوصيات والقرارات إلى السلطة وربطها برغبتها. ناقش اللقاء مشاريع ثلاثة قوانين كانت قد أعدتها لجان حكومية وهي قوانين الأحزاب والانتخابات والإعلام، ورأت المعارضة أن هذه القوانين لا تفي بالغرض ولم تخرج بمضمونها عن رغبة الحكومة وآفاق رؤاها، لأنها جميعها من إعداد موظفين بيروقراطيين، يخدمون حكومتهم، وانتهى هذا اللقاء التشاوري باهتاً وبدون فعالية .

وهو على أية حال مقدمة لعقد مؤتمر حوار فيما بعد وهذا ما ستعمل هيئة الحوار على تحقيقه لاحقاً. وتقول أوساط المعارضة تعليقاً على نتائج المؤتمر، أن توقعها كان صحيحاً خاصة فيما يتعلق بعدم جدية النظام فيما يتعلق بالحوار أو الإصلاح، وتأكيدها أن ممارساته واقتراحاته ما هي سوى (تكتيك) لإسكات الانتفاضة فقط. كان من المفترض أن يعقد في دمشق مؤتمر الإنقاذ الوطني الذي يضم فئات معارضة عديدة معظمها من المعارضة الإسلامية. ولكن السلطة منعت عقد هذا المؤتمر، فعقد مؤتمر توأم له في الوقت نفسه في اسطنبول، واتخذ قرارات مرتبكة وغير واضحة، فبعد أن دعا بعض أعضائه لتشكيل حكومة مؤقتة تراجع المؤتمر عن ذلك واتخذ قرارات أخرى، عامة وغامضة.

من المتوقع أن يعقد المجلس الوطني لإعلان دمشق مؤتمراً في الأيام القادمة، ولا يختلف برنامج إعلان دمشق السياسي عن برنامج مجلس التنسيق لأحزاب المعارضة، ويضم حزباً عربياً وبعض الأحزاب الكردية، إضافة لمعارضين مستقلين، وتجري مفاوضات الآن بين الإعلان وبين المجلس التنفيذي لهيئة تنسيق الأحزاب لتوحيد الهيئتين وبالتالي توحيد المعارضة بكافة أطيافها. وخارج سورية، كان قد عقد في أنطاليا التركية مؤتمر للسوريين لم يتخذ قرارات إجرائية بل أعلن دعمه للانتفاضة ومعاداته للنظام، كما عقد مؤتمر مماثل في بروكسل انتهى إلى قرارات مماثلة.

هكذا إذن تتعدد اللقاءات والمؤتمرات السورية المعارضة وشبه المعارضة والموالية وتبحث جميعها عن إيجاد حلول أو رسم خارطة طريق أو اتخاذ قرارات تخرج سورية من أزمتها الراهنة. علق احد المراقبين على تعدد هذه المؤتمرات واللقاءات فاعتبر أنه من الطبيعي أن تتعدد تيارات المعارضة وتتنوع آرائها بعد أربعين عاماُ من الكبت والقمع والحرمان من إبداء الرأي. وليست هذه الظاهرة ظاهرة شاذة حسب رأيه، وتوقع أنها ستفضي إلى وحدة المعارضة السورية في وقت قريب.