كَثر في الآونة الأخيرة استخدام مصطلح «الدولة الفاشلة» من قبل سياسيين وإعلاميين في مقاربة قضايا سياسية معينة وتقييم أوضاع الدولة التي لها علاقة بهذه القضايا. والحقيقة أن هذا المصطلح قد دخل حديثاً في المعاجم السياسية.

تَشَكل مفهوم «الدولة» للمرة الأولى في القرن السادس عشر على أنها شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي يحمل على عاتقه مسؤولية إدارة المجتمع وحفظ الأمن وضمان تحقيق الحرية والعدالة لجميع المواطنين. وقد أسقط التطور التاريخي الذي شهدته المجتمعات الغربية نظرية الحق الإلهي التي تأسست الدول في أولى عهودها عليها، في الشرق والغرب، لصالح نظرية العقد الاجتماعي التي تستمد مشروعيتها من الإرادة الجماعية لمواطنيها.

وبذلك أسقطت مشروعية الحكم المطلق والولاء للأفراد لصالح الولاء للجميع. وقد عبر أحد أبرز فلاسفة العقد الاجتماعي، المفكر والمصلح الاجتماعي الفرنسي جان جاك روسو، عن ذلك بالقول «من يهب نفسه للجميع لا يهبها لأحد».

إلا أن الحديث عن مدى مناعة الدولة وأهليتها للبقاء قد تطرق إليه لأول مرة المفكر وعالم الاجتماع والاقتصاد السياسي الألماني «ماكس ويبر». ففي تصور هذا المفكر أن الدولة الناجحة، سواء كانت ديمقراطية أو استبدادية، هي التي تحتكر حيازة واستخدام أسباب القوة ضمن حدودها، وإن عجزها عن ذلك يعني زوالها. إلا أن هذا المفهوم للدولة الناجحة قد جرت مقاربته بأسلوب آخر عن طريق مقاربة نقيضتها، الدولة الفاشلة، وذلك لأسباب وجيهة جداً.

فالدولة الناجحة لا تقلق المجتمع الدولي في حين تفعل ذلك الدولة الفاشلة لأن تداعيات فشلها قد لا تقتصر على الداخل فحسب بل تتجاوز ذلك إلى ما هو أبعد، إقليمياً ودولياً. وعلى أية حال فإن الفشل والنجاح ثنائي متلازم لا يمكن فصله، التعرف على حال أحدهما يلقي الضوء على حال الآخر.

الجهة التي تصدت لهذه المهمة هي «منظمة السلم» وهي إحدى مستودعات التفكير التي تأسست عام 1957 كمنظمة مجتمع مدني تقوم بالأبحاث التي تساعد على التخفيف من الاحتقانات الدولية وجعلت من العاصمة الأميركية مقراً لها. منظمة السلم هذه تطرقت إلى مفهوم «الدولة الفاشلة» بأسلوب علمي حيث وضعت معايير عديدة للحكم على مدى نجاح الدولة أو فشلها.

وقد عملت هذه المنظمة منذ عام 2005 وبالتعاون مع مجلة «السياسة الخارجية» على إصدار «مقياس رقمي» عن حال جميع دول العالم المستقلة (الأعضاء في الأمم المتحدة) يعرف باسم «مقياس الدول الفاشلة» للتعبير عن مدى ضعف الدولة وعرضتها للانهيار أو التفكك واندلاع الصراعات داخلها.

ويعتمد التسلسل في هذا المقياس على عدد النقاط التي يحصل عليها كل بلد من خلال تقييم رقمي لمجموعة من المؤشرات عددها اثنا عشر مؤشرا تتوزع على ثلاثة محاور: اجتماعية واقتصادية وسياسية، حيث تبلغ حصة المحور الأول أربعة مؤشرات والثاني مؤشرين والثالث ستة مؤشرات، بواقع عشر نقاط لكل مؤشر. وتوضع الدول التي تحصل على تسعين نقطة أو أكثر من مجموع مائة وعشرين نقطة في الخانة الحمراء (خانة الخطر).

ومن أبرز هذه المؤشرات: فقدان الدولة السيطرة على أراضيها، تآكل السلطة الشرعية وعجزها عن اتخاذ القرارات الجماعية، انتشار الفساد والجريمة، توسع الهجرة في الداخل وزيادتها نحو الخارج، تراجع في حقوق الإنسان، تراجع الاقتصاد وعجزه، عدم القدرة على توفير الخدمات العامة، الإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص بين مواطنيها بتفضيل بعضهم على البعض الآخر، عدم القدرة على منع التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية، ضعف القدرة على التفاعل مع الدول الأخرى باعتبارها عضواً كامل العضوية في المجتمع الدولي.

وتقوم هذه المنظمة بجمع البيانات التي تحتاجها لإعداد هذا التقرير السنوي من عشرات الآلاف من التقارير التي تنشر من مصادر الإعلام الدولية والمحلية المقروءة والمسموعة والمرئية، وتقوم بتحليلها واستخلاص النتائج باستخدام برمجيات حاسوبية متطورة.

التقرير الأخير لهذه المنظمة، الذي نشر في السادس والعشرين من يونيو المنصرم وضع الصومال في الموقع الأول للمرة الرابعة بعدد من النقاط تساوي 113.4 ووضع فنلندا في الموقع الأخير بعدد من النقاط يبلغ 19.7. وقد وضع التقرير خمس وثلاثين دولة في الخانة الحمراء (خانة الخطورة) .

حيث حصل العراق على المركز التاسع داخل هذه المجموعة بعدد من النقاط تساوي 104.8 نقاط. وعند مراجعة موقع العراق في السنوات الماضية نجد أنه احتل المركز السابع عام 2010، والسادس عام 2009، والخامس عام 2008، والثاني عام 2007، والرابع عام 2006، والرابع أيضاً عام 2005.

والحقيقة أن التمعن بالتفاصيل التي تضمها هذه التقارير والتعرف على واقع الدول التي تسبق العراق ببضع درجات أو التي تأتي بعده ببضع درجات يكشف عن حقيقتين هامتين، الأولى أن هذه الدول فقيرة جداً مقارنة بالعراق، والثانية أن هذه الدول تعتبر حديثة عهد بالاستقلال مقارنة بالعراق الذي يرجع حصوله على الاستقلال إلى مطلع عشرينيات القرن المنصرم.

إن بقاء العراق ضمن مجموعة الدول الفاشلة طيلة هذه السنين على الرغم من أنه يمتلك كل المقومات للخروج منها أمر يدعو للأسف ويستدعي التوقف وذلك لخطورة البقاء فترة طويلة في هذا الموقع، فالدولة الفاشلة قد لا تستطيع الحفاظ على تماسكها طويلاً، ولعل تفكك السودان، وهي دولة بقيت في الخانة الحمراء تراوح بين الموقع الأول والثالث على مدى السنوات السبع المنصرمة خير دليل على ذلك.

فرص العراق للخروج من مجموعة الدول الفاشلة لا تبدو واعدة، فالظروف التي دفعت به إلى خانة هذه الدول لم يطرأ عليها تغيير يذكر، فالأزمة السياسية التي تمسك بتلابيبه، وهي السبب الرئيسي لتدهوره، في تفاقم مستمر وتزداد تداعياتها سعة وعمقاً، ولا سبيل إلى كسر الجمود فيها إلا بالذهاب إلى انتخابات نيابية مبكرة.