رفع قاض قرار الإقامة الجبرية عن الرئيس السابق لصندوق النقد الدولي دومينيك ستروس كان، وقرر الإفراج عنه بضمان شخصي، مع الاحتفاظ بجواز سفره حتى نهاية إجراءات القضية. وفي حين لا تزال قائمة التهم الموجهة ضد ستروس كان بالاعتداء الجنسي على عاملة التنظيف في أحد فنادق نيويورك، في مايو الماضي، فإنه يبقى أن ننتظر كي نرى كم ستصل مدة القضية.
لقد جاء هذا التحول عندما كشف مكتب المدعي العام في مانهاتن، في رسالة إلى فريق الدفاع، أن المدعية اعترفت بالكذب عند طلبها اللجوء إلى الولايات المتحدة في عام 2004. ووفقاً لمحاميها، فقد أدلت المدعية بهذه الأقوال بنفسها، وتطوعت بهذه المعلومات أمام النيابة العامة التي لم تتحر الدقة في هذه المعلومات. كما كشفت النيابة في الرسالة أن "الشكوى كانت غير صادقة مع معاوني المدعي العام، حول مجموعة متنوعة من المواضيع المتعلقة بتاريخ الشاكية وخلفيتها والظروف الحالية وعلاقاتها الشخصية"، دون تقديم تفاصيل محددة. وكشفت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية منذ ذلك الحين، أن المدعية أكدت قصتها عن الاغتصاب المزعوم، لصديقها المعتقل في سجن مهاجرين في ولاية أريزونا، خلال محادثة هاتفية خاصة مسجلة بلهجتها الغينية.
واعتماداً على الميول والتوقعات الشخصية، يمكن للمرء أن يختار التركيز على حقيقة أن الشاكية لديها صديق في السجن، أو بالأحرى على تفاصيل روايتها لقصة الاغتصاب. الرأي الوحيد ذو الأهمية هنا، هو رأي لجنة المحكمين التي تستمع وتقدر جميع الحقائق، في حال توافر الفرصة لعرض القضية أمامها. وأي أكاذيب بشأن طلبات اللجوء، ينبغي التصدي لها ومعاقبتها بأقصى العقوبات القانونية. هل ينبغي أن تواجه هذه المرأة تلك العقوبة؟ لا بد من ذلك في الواقع، بما في ذلك الإبعاد إذا اقتضى الأمر. لكن يجب أن يكون من الممكن فصل ذلك عن الحقائق التي لا علاقة لها بحادث الاغتصاب المزعوم، الذي يجري النظر فيه.
لكن العدالة هي لعبة لا تكشف الحقيقة بالضرورة، إذ يمكن لأي شخص أن يقول الحقيقة ويتم رفض دعواه، لأن المدعي العام لا يمكن أن يشعر بأنها تستحق التثبت منها بالكامل دون أي شك. ومن ثم يترك الأمر للرأي العام لكي يستنتج أنه ما لم تتم متابعة القضية، فإن المدعية لا بد وأنها كاذبة، وأن المتهم "بريء" أو "لم تثبت إدانته". في الواقع، غالبا ما يكون المتهم محظوظاً، لأنه من أجل خوض طريق "العدالة"، فإن وجود الحقيقة إلى جانب طرف ما ليس كافياً. يحتاج المرء إلى أن يكون ضحية مثالية، لا سيما في قضايا الاغتصاب.
يقوم الأساس المنطقي في هذا الصدد، على أنه إذا كذبت الشاكية بشأن مرحلة ما من حياتها، فإنها قد تكون كذبت بشأن اغتصابها. بل إن ذلك رهان مؤكد على أن كل ضحية لكل مغتصب يقف وراء القضبان حالياً، قد كذبت بشأن مرحلة ما من حياتها. لو أن هذا الاختبار يتم تطبيقه على كل جريمة، عندئذ فلن يتم سجن أحد، إلا إذا كانت الضحية قد ماتت بالفعل، وثبت بالتأكيد أنها لم تكذب بشأن قتلها.
جادل أنصار دومينيك ستروس كان بأنه قد يكون هو المغرر به، لكنه بالتأكيد ليس نوعا من مغتصب نياندرتال. هذان أمران مختلفان تماماً، كما يقولون. يأتي ذلك على الرغم من أن الكاتبة الفرنسية تريستان بانون، تقدمت هي الأخرى بشكوى ضد ستروس كان تتهمه بمحاولة اغتصابها في عام 2003. وتزعم بانون أن والدتها التي كانت سياسية في الحزب الاشتراكي الفرنسي، نصحتها في ذلك الوقت بالتزام الهدوء، وقد أرسل لها ستروس رسالة نصية يسألها فيها إذا كانت خائفة منه.
إذا كان المدافعون عن ستروس كان على استعداد لتشويه مصداقية المدعية، بناء على تفاصيل لا علاقة لها بهذه الواقعة قيد التحقيق، إذن فلماذا لا يكونون على استعداد للقيام بالشيء نفسه مع ستروس كان؟
لو اعتقد المحققون بأن الشاهدة الرئيسية لديهم، وهي الخادمة، لديها مشكلة في مصداقيتها، إذن فربما يتعين عليهم النظر أيضاً في مشكلة مصداقية المتهم، والتي أبرزتها الشكوى المقدمة من بانون. أو بالأحرى، ربما يتعين تقييم كل شيء بدقة لصالحه داخل قاعة المحكمة!