هل باتت إشكالية استيراد النفط بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية قضية أمن قومي؟ وهل سيكون النفط هو السبب المباشر في تزايد الأعمال العسكرية حول العالم؟ هذا السؤال تردد في الآونة الأخيرة وبقوة، خاصة في ضوء «فتح صنابير احتياطيات العالم من النفط» في أميركا. وبحسب تقرير لـ«فاينانشيال تايمز»، فإن ثمة ما يقدر بـ727 مليون برميل من النفط مدفونة على عمق كبير في الكهوف الملحية الضخمة الـ26، الممتدة على طول ساحل تكساس ولويزيانا.
ومع الاضطرابات التي تشمل بعضا من دول شمال إفريقيا، لا سيما ليبيا، وفي مواجهة ارتفاع أسعار النفط، حث أعضاء من الحزب الديمقراطي الرئيس باراك أوباما على استخدام احتياطي النفط الأميركي، لكن يبدو أن أوباما متردد في الاستخدام طويل المدى لهذا المخزون، والذي يمثل إحدى ركائز القوة للإمبراطورية الأميركية. وتردد أوباما يمكننا أن نعزوه إلى أن الإفراج عن احتياطي النفط الاستراتيجي، يمكن أن يقدم مساعدة مؤقتة في أحسن الأحوال، لكنه يعرض الولايات المتحدة للخطر، ويجعلها عرضة بشكل متزايد لتهديد أكثر خطورة في المستقبل.
ومما لا شك فيه أنه مع حلول عام 2020، ستحتاج الولايات المتحدة الأميركية إلى استيراد ضعف ما كانت تستورده من النفط الخام عام 1990، وبما أن هذا النفط يأتي من مناطق غير مستقرة حول العالم، فإن ذلك سيؤدي إلى تورطها المتكرر في نزاعات عنيفة.. فهل هي قضية أمن قومي إذاً؟
هذا ما يقرره خبير الأمن الدولي مايكل كلير، الأستاذ في جامعة هامشاير والمتخصص في دراسات السلام والأمن العالمي، لاسيما وأن الولايات المتحدة الأميركية تعيش اليوم مأزقاً يتمثل في جفاف آبارها وتزايد طلبها على النفط، بينما يتصاعد العداء لها في الدول المنتجة للنفط حول العالم، الأمر الذي دعا البعض إلى القول «إنه حان الوقت لتغير أميركا سياساتها المتعلقة بالطاقة، وإلا فستدفع دماً ثمناً للنفط».
يدرك غالبية الأميركيين أن زيادة الاعتماد على النفط المستورد، سوف يعرضهم للتورط في نزاعات خارجية من أجل النفط، كما أظهرت كثرة الإعلانات التي تصرخ «لا دم في سبيل النفط»، في التظاهرات التي سبقت غزو العراق عام 2003، وإن كان السياسيون ينكرون بانتظام وجود أية علاقة بين الدم والنفط.
هل مصالح الأمن القومي الأميركي تتقاطع مع واقع حال واستقبال دول الخليج ونفطها؟
علامة الاستفهام المتقدمة، تعود بنا إلى عبارة أميركية بدأت تتردد في العقد الماضي، وعلى نحو خاص في ظل إدارة بوش الابن، تقول: «الاستقلالية في مجال الطاقة مخرج أميركا الوحيد». ولهذا نرى كل المرشحين للرئاسة الأميركية يستخدمونها شعاراً في حملاتهم الانتخابية، وعلى الموقع الإلكتروني للبيت الأبيض نقرأ من بين أهداف الرئيس الأميركي «جعل أميركا بلداً مستقلاً في ما يتعلق بمصادر الطاقة».
لكن هذا الشعار في حقيقته أجوف ولا يعبر عن الحقائق على الأرض، وخير دليل على ما نقول هو البيانات الواردة في التقرير الذي وضعته لجنة أميركية خاصة، ترأسها نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني، وفيه تأكيد واضح على أن هناك ضرورة ملحة لاعتراف أميركي بالحاجة إلى زيادة الواردات النفطية، وأنها ستكون كبيرة في المستقبل.
ووفقاً لأرقام التقرير، فإن الإنتاج المحلي الأميركي من النفط سينخفض بحلول العام 2020، نزولاً بحدود 18% من 8,5 ملايين برميل إلى 7 ملايين برميل يومياً، في حين سيزداد إجمالي الاستهلاك صعوداً بنسبة 31%، من 19,5 مليون برميل إلى 25,5 مليون برميل يومياًً. وهذا يعني أن الواردات ستزداد بنسبة 68%، من 11 مليوناً إلى 18,5 مليون برميل يومياً، وهو ما يعادل الاستهلاك الحالي للصين والهند مجتمعتين..
هل من معنى لتلك الأرقام؟ حتماً تؤشر على حقيقة الحاجة الأميركية المستقبلية للنفط الأجنبي، لاسيما وأن توفير بدائل للطاقة في الوقت القريب أمر صعب، وخاصة في ضوء حجم الاستثمارات الهائلة المطلوبة والمدة الزمنية المرتبطة بها.
ويشير تقرير لوزارة الطاقة الأميركية إلى أن الوزارة أنشأت مجموعة كبيرة من البرامج، لتطوير بدائل جديدة للطاقة والحد من الطلب على النفط، لكنها لا يتوقع أن تؤتي ثمارها قبل مرور 20 عاماً على الأقل، أي ما بعد الذروة النفطية الثانية المتعارف عليها في عالم النفط.
هل يعني ذلك أن أميركا ستظل شرطي العالم في المستقبل وحارس منابع النفط، وخاصة في الخليج ومنطقة الشرق الأوسط؟
المقطوع به أن واشنطن، شأنها شأن بقية اللاعبين العالميين الساعين وراء النفط، من موسكو إلى بكين مروراً بطوكيو، ستقوم بفعل كل ما تستطيع لمطاردة كل أفضلية استراتيجية، وستكافح مدفوعة بالمنطق المشوه لمأزق التبعية، لبسط نفوذها على كل زاوية في منطقتي الخليج وبحر قزوين، والتخلص من كل عقبة في سبيل تسريع تدفق النفط.
لكن، هل يعني ذلك تطبيق ضغوط اقتصادية وسياسية وحسب؟ قطعاً، لا. فالأمر ربما يتطلب إقامة أحلاف عسكرية، وأحياناً استخدام القوة. وهذا أمر يعرفه جيداً القائمون على «مقر القيادة المركزية الأميركية» سنتكوم CENTCOM في مدينة تامبا في ولاية فلوريدا الأميركية، تلك القيادة المسؤولة عن منطقة تمتد إلى أكثر من ثلاثة آلاف ميل؛ من مصر غرباً إلى قرغيزستان شرقاً، ويبقى قلبها الجغرافي والاستراتيجي هو حوض الخليج العربي، موطن ما يقرب من ثلثي الاحتياطيات النفطية العالمية المعروفة على سطح الأرض.
هل حاجة أميركا للنفط المستورد تستدعي عسكرة العالم؟ ربما يكون ذلك كذلك بالفعل.
كاتب مصري