ربما كان السؤال الذي يُنتج على نصاب أكثر عمقاً في الثقافة السياسية العربية المستحدثة، هو التالي: من أي محل يبتدئ الفعل النهضوي المفترض؟.. من عالم النظرية التي قيل إنها أصل الإشكال في أزمة الفكر العربي الإسلامي الحديث، أم في حقول المواجهة المواجهة؟!
ربما لا يحتاج جواب السؤال إلى الدخول مجددا في حمّى المجادلات التي كنا ألِفناها سحابة أجيال كاملة، خصوصا إذا استحضرنا تلك اللاّزمة التي أخذ بها اليسار العربي، حول الارتباط الشرطي بين الحركة الثورية المسبوقة بنظرية ثورية ناجزة. ففي الميادين الممتلئة بشغف البحث عن أطروحة إحيائية عربية، ما يشير إلى إمكان تشكيل الغايات على ما يجوز تسميته بخط الصواب التاريخي.
إذا كانت رحلة التحولات قد بدأت فعلا، أقله في الجانب المتعلّق منها بإسقاط أنظمة وتفكيك أحلاف واستبدال مفاهيم، فإن تأصيل مسارات الاحتدام على قاعدة التناقض التكويني مع دولة إسرائيل، يعدُّ بحق المدخل الواقعي لتتّخذ الأطروحة النهضوية قوامها الأصلي.
والجائز أن نمضي أبعد من ذلك، لنرى إلى حقيقة أساسية يتوقف على إدراكها جدوى أي مشروع للإحياء الحضاري، عنينا بها التناقض الجوهري بين وجود إسرائيل كسليل لإمبريالية ما بعد الحداثة، وأي مسار نهضوي إحيائي لشعوب المنطقة.
هناك إذا، أطروحتان تؤلفان معا وحدة قياس معرفية، لفهم جدلية التقدم والتأخر التي تحكم الزمن المعاصر لبلادنا: حقيقة النهضة والغاية من وجود إسرائيل، كنقيضين متوازيين لا يقبلان اللقاء والمصالحة.
ربما لم تملك أطروحة الأمن الثقافي في التاريخ العربي - الإسلامي المعاصر ما كان يجعلها في المنصرم البعيد نسبيا، أطروحة منجزة. إذ مع صعود حركة الحداثة في الغرب من القرن السابع عشر إلى بداية القرن العشرين، ظهرت أسئلة الاستنهاض في بلادنا لتشهد مع تلك الحركة، نمواً موازياً. ثمّة من أسئلة النخب العربية ما انعقد على سيرة الحداثة، سعياً إلى الأخذ بأنوارها، وتمثُّل أحوالها وحوادثها.. ومنها ما انعقد على حذر وتريُّبٍ وشك حيال طوفانها الإمبريالي.
والأسئلة في الحالين جرت على نشأة سالبة. ففي الأولى كانت انسحاراً بما جاء به الغرب إلينا فيما نحن في ظلامة الاستبداد. وفي الثانية ستشهد ائتلافا لقوى راحت تختبر بياناتها الإيديولوجية وشعاراتها الثورية، في حقل المواجهة لواقع حداثوي إمبريالي أخذ يتمدد لتوطين قِيمِهِ بقوة الحديد والنار.
الحالتان ستؤسسان منذ ذلك الوقت لأزمنة ثقافية، غالبا ما كان يعاد إنتاجها على نصاب الأسئلة السالبة نفسها، كلما عصفت ريح الصدمات المتعاقبة بين الإسلام والغرب. وبدا كما لو أن سؤال الإحياء الحضاري، لا يستعاد إلا لتردَّ الحملة الحداثية الإمبريالية على أعقابها. غير أن حاصل الاحتدام ظل على الدوام، ضمن سياقه الاعتيادي. فجدالية التقدم والتأخر أخذت سبيلها إلى الرسوخ، فيما أسئلة النهضة صارت أشبه بأوعية مثقوبة لا تصلح للمراكمة والتوالد.
صورة النهضوية العربية في بدايات القرن الحادي والعشرين، تبدو كأنها تستعيد نشأتها الأولى، إلا أنها اليوم تبدو على نشأة أخرى. وها هي تستأنف رحلتها بوتيرة أشد عمقاً، بعد أكثر من ستة عقود على ظهور الأطروحة الإسرائيلية في منتصف القرن العشرين المنصرم، إذ مع هذا الطور سينشأ زمن تاريخي جديد لم يعد معه سؤال الاستنهاض على نسقه التقليدي، أي على نحو ما عرَّفه نهضويّو آخر القرن التاسع عشر من العرب والمسلمين.
كل شيء سيعود مع التوليد المتمادي للأطروحة الإسرائيلية، إلى حقل التصادم. ولقد صار الكلام على الثقافي، والمعرفي، والفكري، والتنموي، والإحيائي، كلاماً غير ذي وزن، ما دام يتحرك خارج حقول المواجهات بأشكالها كافة.
ابتداءً من الظاهرة الإسرائيلية، سوف تُختزل كل الأسئلة المتعلقة بالنهضة، ضمن تساؤل إجمالي عما إذا بالإمكان ـ وانطلاقا من فلسفة الاختصام الوجودي مع دولة الاستيطان الصهيوني ـ استيلاد مسار حضاري، يصدّ الهيمنة الاستعمارية بنسختها الليبرالية الجديدة ويتوازن معها.
لقد ظل التساؤل سارياً بين النخب العربية، من دون أن يتعيّن محل الإشكال الفعلي. فيما أكدت الوقائع التاريخية المتعاقبة، حقيقة كون الظاهرة الإسرائيلية هي الظاهرة الأكثر تعبيراًً عن إمبريالية الحداثة وفعالياتها الثقافية والفكرية والسياسية في بلادنا.
ما نشهده الآن، طور آخر من الحراك حول وجود إسرائيل، إذ بقدر ما يتسم هذا الطور بالحد الأعلى من العداء لهذا الوجود الاستيطاني، فإنه ينبسط أيضاً على فرضية الالتقاء والمصالحة معها. وهذه الفرضية تنطرح اليوم على أكثر من نصاب: أكثرها حيوية وخطورة ما يجري على ما يسمى "خطوط السلام المزعومة".
حيث تستأنف هذه الخطوط حركتها المرسومة بإتقان، بدءا من إنهاء العداء، عبوراً إلى إنهاء الخصومة، ثم ليصَّاعد إلى ضربٍ من «حسن جوار» يُفترض أن تتآلف الأطروحة الإسرائيلية فيه مع العرب والمسلمين، ضمن ما يسمى بالجغرافيا الاستراتيجية الكبرى للشرق الأوسط الجديد.