ما تشهده الساحة المصرية من تطورات على خطورته، فإنه كان أمرا متوقعا في ظل ثورة لم تكتمل فصولها، وثوار خرجوا بلا قيادة توحدهم وما زالوا كذلك، وجيش وجد كل السلطات في يده وهو غير مستعد لذلك، وسباق بين قوى الداخل والخارج لحسم الأمر في مصلحتها، وإدراك من القوى الإقليمية والعالمية أن ما يجري في مصر سيحدد الكثير من ملامح المستقبل في المنطقة كلها.
منذ البداية انخدع كثيرون بالسهولة التي سقط فيها النظام السابق في ثمانية عشر يوما، ولم تدرك قوى الثورة أن الأصعب قادم، وأن رحيل رأس النظام لا يعني تصفية النظام الذي كان مسيطرا على كل شيء، وأن الطبيعي أن تحاول قوى الثورة المضادة إعادة تنظيم نفسها دفاعا عن مصالحها وخوفا من الحساب على فساد جاوز كل الحدود.
السهولة التي انهار بها النظام القديم جاءت بالأساس من أن السوس كان قد نخر في عظم النظام حتى أصبح آيلا للسقوط، وأن السخط كان عاما بين كل الفرقاء الذين جمعتهم الثورة مع اختلاف توجهاتهم، ثم الدور الحاسم للجيش المصري ومنذ اللحظة الأولى بعد استدعائه لإنقاذ الموقف إثر انهيار جهاز الشرطة في 28 يناير، يومها كان فارقا ألا يكتفي الجيش بموقف يمتنع فيه عن إطلاق النار على المتظاهرين التزاما بتقاليد راسخة عند العسكرية المصرية، بل كان هناك عرض على إعلان هذا الموقف للشعب الثائر منذ اللحظة الأولى، وعلى تأكيد أن الجيش يتبنى مطالب الثوار.
هذا الموقف الحاسم كان رسالة واضحة للجماهير بأن تنضم للثورة وهي في حماية الجيش، وكان ـ من جانب آخر ـ رسالة للرئيس مبارك بأن اللعبة انتهت وأن الرحيل مسألة وقت، وأن عليه أن يبحث عن خروج مشرف إذا استطاع.
وأظن أن هذا هو الذي حسم موقف قوى كبرى كانت تساند مبارك، وجعل أوباما وإدارته ينقلبان على مبارك ويتحدثان عن التغيير أو الرحيل، الآن وفورا، خاصة بعد أن فشلت محاولات مبارك لإحداث انقسام في قيادة الجيش التي قابلت ذلك بإصدار «البيان رقم 1» الذي كان إعلانا ببداية عهد جديد قبل الإقرار الرسمي من مبارك بيومين. ما حدث بعد ذلك، وعلى مدى خمسة شهور كان انفجارا للخلافات والصراعات بين قوى الثورة وبينها وبين القوى المضادة، بينما كاد الواقع يكشف عن حجم المشاكل التي تركها النظام الساقط وراءه وحجم الفساد الذي نشره في المجتمع، وحجم الجهد المطلوب لعبور هذه الفترة الصعبة.
وللأسف الشديد فإن إدارة الفترة الانتقالية المهمة على مدى الشهور الخمسة الماضية لم تكن ناجحة وشابها التردد وعدم الحسم من جانب السلطة الممثلة في المجلس العسكري والحكومة والانقسام والتشتت، والصراعات الصغيرة بين قوى الثورة، ليجمع الجميع أنفسهم أمام الأزمة الأخيرة مع شعور جارف بأن الثورة في خطر. على مدى الشهور الخمسة الماضية لم تكن هناك خطوات حاسمة لتنفيذ مهام المرحلة الانتقالية التي تتضمن تصفية بقايا مراكز نفوذ النظام السابق ومحاكمتهم محاكمة عاجلة وعادلة، ثم وضع أسس النظام الجديد الذي يحقق أهداف الثورة في دولة مدنية تحقق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتؤسس للنهضة.
بدلا من ذلك انقسمت قوى الثورة على تيار إسلامي يرى أمامه فرصة للإمساك بالأمور ولا يريد تفويتها، وأحزاب تقليدية لا وزن لها في الساحة وشباب كان طليعة للثورة ويخشى من أن يجد نفسه مستبعدا أو محاصرا، بينما كانت الحكومة شبه مشلولة لمحدودية الصلاحيات، وميراث الوزراء الذين ينتمون للعهد السابق، وبينما كان المجلس العسكري غارقا في مهمة لم يستعد لها، يحاول تقصير الفترة الانتقالية ويؤجل القرارات الحاسمة ويعمل على أنه يدير ولا يحكم، وهو أمر كان يعني أن يبقى الحكم في الشارع السياسي وأن يستحوذ على الأكثر تنظيما والأكثر تحويلا.
ورغم كل المخاطر، فإن انتفاضة الثورة في 8 يوليو كانت بالغة الأهمية، فقد أزاحت مشاعر الإحباط التي كانت قد بدأت تسود، وأشعرت الجميع ـ بمن فيهم القيادة العسكرية ـ بحجم المخاطر التي نشأت بسبب نهج تأجيل المشاكل وافتقاد «الرؤية السياسية» التي تجعل من مرحلة الانتقال مرحلة حسم للكثير من الأمور لكي يكون الانتقال بعد ذلك إلى حكم الثورة وليس إلى شيء آخر.
وأظن أن القرارات التي صدرت حتى الآن تحمل الكثير من الإيجابية نحو تصحيح المسار والتخلص من سلبيات تراكمت على مدى خمسة شهور بعد الثورة. ويبقى أن تتحول التغييرات في الأشخاص إلى تغييرات في السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي لم تتغير بعد الثورة، ولن تتغير إلا بقرار من المجلس العسكري بالتخلي عن حكاية «ندير ولا نحكم» وتبني رؤية سياسية واضحة تطمئن الجميع على مسار الثورة.
هذه الرؤية السياسية الواضحة والمنحازة بالطبع ضرورية، ليس فقط لتجاوز الخلل الذي ساد في غدارة الفترة الانتقالية في الشهور الماضية. ولكن وقبل ذلك وبعد ـ لقطع الطريق على ما تشهده الساحة من تحركات مشبوهة للوقيعة بين قيادة الجيش وبين قوى الثورة.
وبعيدا عن تصريحات جانبها التوفيق من جانب ممن يمسكون بالسلطة، وبعيدا أيضا عن سلوك فئات صغيرة في الميادين تحكمها المراهقة السياسية، فإن التيار الوطني العام يدرك حجم المخاطر ليس فقط من الداخل، ولكن أيضا من الخارج، ولعلنا نلاحظ هنا أن صداما وقع مع أميركا على خلفية سلوك واشنطن في تخطي السلطات المصرية وتوزيع عشرات ملايين الدولارات بعد الثورة على جمعيات وأحزاب..
وهو ما رفضته مصر وبدأت تحقيقا رسميا لكشف كل المخالفات فيه. ولعلنا نلاحظ أيضا أنه بعد إلقاء القبض على الجاسوس الإسرائيلي ـ الأميركي، تم إلقاء القبض على عدد كبير من الأميركيين والأوروبيين يدعون إلى القيام بمهمات صحافية كان أبرزهم أربعة أميركيين كانوا في قلب مظاهرات السويس الساخنة، حيث سمعنا لأول مرة أصواتا مشبوهة تتحدث عن عرقلة الملاحة في قناة السويس! الظروف صعبة، والمؤامرات عديدة، والمخاطر كثيرة، والحذر واجب، ولكن ثورة مصر تستعيد المبادرة والحيوية، وهذا هو المهمة لتواصل مسيرتها على الطريق الصحيح.