هناك مفارقات مضحكة مبكية في العالم العربي أصبحت مسائل عادية جداً بالنسبة للمواطنين العرب والأجانب بعد أن تكررت.

وأول هذه المفارقات أن تتحول العراق التي تملك أكبر مخزون للنفط في العالم إلى دولة تفتقد سياراتها إلى البنزين، وأن يموت شعبها عطشانا وهي تملك نهرين عظيمين، دجلة والفرات، وأن تتحول من دولة مسلحة إلى دولة لا تملك أمرها بيدها. وأن تتحول دولة بحجم السودان الأغنى من بين دول العالم بالتربة الخصبة والمياه الوفيرة إلى دولة لا تزرع ولا تحصد ولا تصدر حتى حبوب الفول، وأن تتحول أكثر الدول العربية ديمقراطية وأقدمها في هذا المجال كلبنان على سبيل المثال إلى دولة تعطل فيها الديمقراطية دولاب العمل السياسي، وكذلك الأمر بالنسبة للكويت.

وأن هناك جمهورية عربية شعبية ديمقراطية نفطية بحجم ليبيا يفترض أن تكون (في القمة وبمثابة العالمية) تحولت إلى دولة فقيرة في كل شيء بناء على مشاهدات بعض المناظر التي تنقلها لنا وسائل الاعلام. ولو أخذنا اليمن كمثال على الدولة التي تتمتع بمناظر طبيعية خلابة قل نظيرها في الوطن العربي، بل تشبه إلى حد كبير المناظر الطبيعية الساحرة الموجودة في دول كسويسرا والنمسا، لرأينا كم هو محزن أن ندفع عرق جبيننا لنصبه سنويا في خزائن أوروبا لمجرد التمتع بمشاهدة طبيعتها الساحرة.

بينما دولة عربية تملك نفس المقومات الطبيعية أهملت نعمة الرب وتركتها وكأن الأمر لا يعنيها لا من قريب ولا من بعيد، ولو استخدمت الاستخدام الأمثل لأصبحت وجهة العرب السياحية قبل أوروبا. ثم هناك جمهورية مصر العربية التي تصدر مدرسيها منذ عقود لكل الأقطار العربية توجد بها اليوم أكبر نسبة أمية في العالم العربي.

وهناك أمثلة عديدة على هذه المفارقات والتناقضات الغريبة. في حين أننا شعب كأي شعب من شعوب الكرة الأرضية المتنوعة. بل نتميز عنهم وعليهم بالعديد من الصفات التي تفتقر إليها شعوب العالم. لدينا قبل كل شيء تلك الحضارات المتعاقبة التي مهدت لقيام تاريخ البشرية والتي تمتد إلى آلاف السنين قبل الميلاد. بمعنى أننا لم نبدأ من لا شيء كما هو الحال بالنسبة للشعب الأميركي، مثلا. ونملك تنوعا جغرافيا عجيبا. ونقع على قارتين هامتين آسيا وافريقيا بل وصلنا إلى أوروبا في زمان الأندلس. فكيف حدث أن وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم؟

الحقيقة أن الزمن المعاصر هو زمن المؤسسات. حتى البقالات الصغيرة التي يحتكرها الآسيويون في بلادنا لا تنجح كمشروع إن لم تتحول إلى مؤسسة منظمة. والمؤسسة تحتاج إلى خطة. ثم إلى مراقبة. ثم إلى تطوير وتسويق ودعاية وإعلان. ولو بحثنا عن كيفية تحول شركة جنرال موتورز إلى مؤسسة بهذا الحجم، لكان الجواب سهلا: الإرادة الصادقة ثم رأس المال. في الواقع أن أعظم شركات العالم بدأت من الصفر والمغامرة برأس مال تافه، ومن ثم جاءت الإرادة والرغبة في التطوير. ثم يأتي صدق النية في الاستثمار.

وأهم الاستثمارات المهملة والمغفلة وبالخصوص في العالم العربي هو استثمار الإنسان رغم وفرته. مصر فقط يصل عدد سكانها إلى أكثر من 75 مليون نسمة. فقد تم تحويل الإنسان العربي إلى مجرد مستهلك لا ينتج. ثم استغل الإعلام الغربي ميول الإنسان العربي إلى الرفاهية حتى أغرقه بكل المستهلكات الزائدة على الحاجة، أو ما يطلق عليها الاكسسوارات.

فأصبح هم الإنسان العربي وحلمه الحصول على سيارة مرسيدس فارهة بدلًا من سيارة متوسطة توصله لنفس المكان وبنفس السرعة، وساعة رولكس فاخرة تعطيه نفس الوقت بنفس الدقة، وسجادة عجمية نادرة بإمكانه استبدالها بسجادة من سعف النخيل وخدم آسيويين وفاكهة غريبة لا يحسن زرعها.

ثم أنه حتى ولو غامر وقام بصناعة ما لا تتعدى ألعاب الأطفال المصنوعة من البلاستيك الرخيص، سنجد أن معظم تلك الصناعات تمت بدون ضمير. فهي إما فاسدة أو لا تدوم طويلا أو معدومة الجودة. وبالتالي، يفقد المشتري (حتى ولو كان صاحب المصنع نفسه) الثقة في صناعات بلده ويفضل أن يدفع نفس الثمن أو أضعافه لصناعات أجنبية أكثر جودة. وبالتالي تصبح الخسارة مضاعفة: يخسر المصنع ويخسر المشتري.

المؤسسة تحتاج إلى تنظيم من نوع خاص، تلغى فيه المحسوبية والحسب والنسب وتصبح المصلحة العامة قبل المصلحة الخاصة. والمؤسسة تحتاج إلى رقابة صارمة، يعاقب فيها المسيء ويثاب فيها المحسن ويقل فيها الفساد والغش إلى أدنى مستوياته. غير أن معظم مؤسساتنا وللأسف الشديد تغلب فيها فكرة الربح الشخصي على النوعية المقدمة، وينتشر فيها الفساد من قمة المؤسسة إلى قاعدتها.

ثم يأتي دور البيروقراطية العقيمة في الدول العربية. فلكي تحظى برخصة صناعية هامة عليك أن تمر بألف خارطة طريق وطريق. إلا إذا كنت تملك وساطة قوية. تخيل أن تكون رجل أعمال خليجيا وتملك 10 ملايين دولار وترغب في فتح مصنع لتعليب منتجات التمور في إحدى الدول العربية المنتجة للتمور بكثرة، ثم تصديره إلى دول العالم التي تحلم بتمور العرب. ترى ما هي نسبة نجاح الحصول على الموافقة على المشروع؟

ما يقال عن هذا المشروع يسري على كل المشاريع الأخرى الصغيرة والكبيرة، وما يطبق على الإجراءات الإدارية المعقدة في تلك البلد مثلا يمكن تطبيقه على معظم دول العالم العربي باستثناء بعضها، ومن هذه الاستثناءات دولة الإمارات التي فتحت كل الأبواب للاستثمارات الخارجية وبأبسط الإجراءات، فحولت تلك السياسة المبسطة وفي غضون ثلاثين عاما فقط إمارة كإمارة دبي من قرية صغيرة لا تملك شيئاً إلى مدينة عالمية بكل المقاييس.

دول العالم في القرن الثالث ومع فكرة العولمة لم تعد مجرد قطع أرض واسعة عليها حكام ورؤساء وملوك ومحكومون، بل أصبحت مؤسسات استثمارية يرأسها مدير عام وتسير أمورها آلاف الأيدي العاملة. وربما لعدم تماشينا مع روح العصر فاض الكيل والتناقض وقامت الثورات. الكثير منا لم يفهموا لماذا أحرق محمد البوعزيزي نفسه! الحقيقة هي أنه اصطدم مع واقع لا يفهم فلسفة النظام المؤسسة، فبدلًا من تشجيع مشروعه الصغير المتمثل في عربة يبيع عليها الخضار ودعمه لتحويله إلى مؤسسة ضخمة، تمت مصادرة مشاريعه المستقبلية بطريقة مهينة.

الدول العربية في حاجة لاستثمار الفرد قبل أن يشعر بالفراغ ثم يضج ويثور ويقلب الكرسي على رأس حاكمه!