يخضع الإعلام الرسمي للمرجعية السياسية، ويسير وفق خارطة طريق مرسومة سلفاً، وليس أمام الإعلامي المهني في أروقة المؤسسة الرسمية، خيار خارج هذه الخارطة المرسومة وفق ثقافة القرن المنصرم. والمفارقة الأساسية في معادلة السياسي والإعلامي، تكمن في أن مرئيات السياسي هي الأصل الأصيل للسياسة الإعلامية، وعلى الأبعاد المهنية أن تخضع لهذه المرجعيات، حتى أن المسافة بين الطرفين تتقلص لصالح التماهي السلبي بينهما. السياسي هنا يختطف الإعلامي، والإعلامي يكف عن أن يكون صانع رأي، وممهد طريق للمستقبل.
لا يستطيع الإعلامي الخاضع لنواميس المؤسسة الرسمية، أن يواكب إيقاع الزمن الإعلامي الجديد ومقتضيات الأسئلة الحياتية المتجددة، المناورة على تفتُّقات الرؤى والأحلام اليومية، ما لم يكن محافظاً على مسافة إجرائية بينه وبين السياسي. وقد رأينا أن الإعلام في بلدان الشفافيات السياسية، أصبح سلطة مؤثرة على القرار السياسي، بل وصانعاً حقيقياً لمشاريع مستقبلية. وهذا ليس غريباً، فالملعب الواسع الذي يتحرك فيه الإعلام، يساعده على سبر ومعرفة إيقاع الحياة اليومية وأسئلتها المتجددة، وبهذا يكون عاملاً مساعداً لصنع السياسة الرشيدة، لا العكس.
تكمن الفكرة الجوهرية في الاعتراف المسبق بأن المُتغير العاصف في العالم المعاصر، أكثر بكثير من الثابت الراسخ. ويقتضي هذا المتغير الإقرار بقانون التحول، والإمساك بجمرة الحقيقة، لا الهروب إلى الأمام، كما شاهدنا أثناء الانتفاضة المصرية، حيث تكسر أداء الإعلام الرسمي أمام قوانين الطوارئ والاستثناءات، وكانت النتيجة المرعبة أن قناة إخبارية بذاتها تنفتح لها عشرات القنوات العربية، ليجد المراقب السياسي المصري نفسه أمام ماراثون سباق مستحيل، لمحاصرة ومنع تلك القنوات. وعلى خط مُتّصل، نرى كيف أن شهود العيان والكاميرات الرقمية، تمثل نبع مشاهدة وأخبار للحدث وتداعياته التراجيدية، ويكمن السبب في أن السلطات سارعت إلى تطبيق سياسات قديمة على أحوال جديدة.
في بعض البلدان العربية التي باشرت سلسة من الإجراءات الإصلاحية الاستباقية، ما زال الإعلام الرسمي مُصراً على عدم فتح الملفات الاقتصادية والاجتماعية المتوازية مع تلك الإجراءات. ولقد تكرست عقيدة إعلامية سقيمة عند صانعي الإعلام الرسمي في كثرة كاثرة من البلدان العربية، ومحتوى هذه العقيدة عدم الانجرار إلى تناول الظواهر العارضة لأنها زائلة متلاشية، والتركيز على المنجزات والمكاسب لأنها ثابتة راسخة.
مثل هذه السياسة الإعلامية، من شأنها أن لا ترى الشرارات الكامنة في السهول الواسعة، وقديماً قال الصيني الحكيم "رُبّ شرارة أحرقت سهلاً"، وهذا ما حدث في تونس عندما تحولت الظاهرة الصُدفية "البوعزيزية"، إلى نقطة تلاق غرائبي بين الصدفة والضرورة، وبين المشهد العابر ومقدماته الراسخة في الأرض. الشرارة التي انطلقت من تونس، سرعان ما تحولت إلى وهج كبير في مصر، ثم توالت تباعاً لتطال أربع أرجاء الجغرافيا السياسة العربية المُحتقنة بأسئلة تنتظر الإجابات الناجزة. وعلى مرمى حجر من العاصفة، يواجه الإعلام الرسمي أمواجاً عاتية واستحقاقات دونها حجم التحدي واستتباعاته الهيكلية على الأرض. سأقدم في ما يلي، بعض الأسئلة الأساسية التي تواجه الإعلام الرسمي العربي، تاركاً الجواب في تضاعيف الأسئلة وامتداداتها المتشعبة:
هل يمكن لتمارين المهارات الفنية الاستعراضية، أن تحل محل المعرفة بمعناها الواسع، عطفاً على تهافت الإعلام الرسمي العربي وإقامته في مجاورة كباريهات الدُّمى البشرية الفارغة؟ ألا يدل ذلك على إصرار مسبق على تغييب الحقائق الوجودية ذات الصلة بحياة الناس اليومية؟
ألا يفتح هذا الفعل المجال لرد فعل مغاير، يتسع للتعصبات المذهبية والاستدعاءات المُخاتلة لعلوم الكلام والآراء والخلافات؟
هل يمكن لقواعد المعايير الفنية أن تستقيم خارج المعنى؟
إلى متى ستظل التوجيهات البروتوكولية والصنمية في التعامل مع الحدث، تمثل حالة التعبير الفولكلوري عن أداء الإعلام الرسمي العربي؟
أليس هذا التيار العام الجارف، كفيلاً بتغييب الجوانب الإيجابية وأبهات الفعاليات الراسخة، معرفةً ومهارة؟
هل القائمون على أمر الإعلام الرسمي في صورة مواكبة المستجدات العاصفة في الوسائط الرقمية؟ وهل الاستتتباعات الإجرائية الفعلية لهذه المواكبة مُقْنعة؟
لماذا يتباعد الإعلام العربي بجملته عن مواكبة تفاصيل البيئات السياسية والحضارية المجاورة للعالم العربي، وتحديداً تركيا وإيران وإفريقيا والعمق الآسيوي القريب وأوروبا المتوسطية؟ ألا يدل ذلك على خلل في النظرة الجيوسياسة للأعماق الفاعلة في المنطقة العربية؟
وأخيراً؛ ما حكم القيمة الأساسي الذي يمكن إطلاقه على الإعلام العربي الرسمي في مواجهة الأزمة؟