هل يعد ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة أمراً طيباً؟ ليس هذا سؤالاً غبياً كما يبدو. فلندقق في بعض الملاحظات الماضية الكاشفة من جانب الرئيس الأميركي باراك أوباما والمسؤولين في الحكومة، عن استخدام الطاقة في أميركا وامتيازات التنقيب عن النفط في الأراضي الفيدرالية. ثم لنقرر ما إذا كان ارتفاع أسعار الوقود الحالية أمراً جيداً أم سيئاً.
في عام 2008، رفض "كين سالازار"، عضو مجلس الشيوخ عن كولورادو آنذاك، والذي يشغل حالياً منصب وزير الشؤون الداخلية المسؤول عن منح امتيازات التنقيب في أراضي النفط الاتحادية، التصويت لصالح أي عملية حفر بحرية جديدة. وفي تبادل لمجلس الشيوخ مع زعيم الأقلية في المجلس "ميتش ماكونيل"، اعترض "سالازار" على السماح بأي حفر في منطقة الجرف القاري الخارجي لأميركا، حتى لو وصلت أسعار الوقود إلى 10 دولارات للغالون. يمكننا أن نرى الآن لماذا قام الرئيس بتعيين "سالازار"، حسبما وعد أوباما مؤخراً البرازيليين بأنه سوف يكون حريصاً على شراء نفطهم المكتشف حديثاً، بينما يحظر مثل هذا التنقيب المماثل في أميركا.
وخلال الفترة من 2007 حتى 2008، ركّز "ستيفن تشو" وزير الطاقة الحالي، في كثير من الأحيان، على مسألة تسخن الأرض والسعر المرغوب للطاقة التقليدية. ففي إحدى المرات، أكد "تشو" بالقول: "بطريقة ما، علينا معرفة كيفية زيادة سعر البنزين إلى المستويات السائدة في أوروبا". كما أعرب أيضا عن أسفه قائلاً: "لدينا الكثير من الوقود الأحفوري، وهذه في الحقيقة أخبار جيدة وسيئة. فلن تنفد منا الطاقة، لكن هناك ما يكفي من الكربون في باطن الأرض لكي تطهو لنا".
بعبارة أخرى، فإن سعر 10 دولارات لغالون الوقود يعتبر أمراً مرغوباً فيه، في حين ينبغي عدم المساس بكمية هائلة من النفط والغاز والفحم ورمال القار والطفَل الزيتي الأميركي المستخلص.
خلال حملته الانتخابية للرئاسة عام 2008، طرح أوباما نفسه أفكاراً غريبة بشأن احتمال ارتفاع تكلفةمنتجات الطاقة التي يتم توليدها بالوقود الأحفوري، التي كان مفادها: "في إطار خطتي نظام تجارة الانبعاثات، فإن أسعار الكهرباء قد ترتفع بالضرورة بشكل كبير". وتحدث المرشح أوباما آنذاك بالتفصيل أيضا، حول الدور المتوقع لإدارته حيال مثل هذا الارتفاع في الأسعار، مضيفاً: "لذا إذا أراد أي شخص بناء محطة تعمل بالفحم، سيكون بمقدوره ذلك. كل ما هنالك أنه سوف يؤدي إلى إفلاسه".
أما بالنسبة لمحنة المستهلكين في سداد أسعار الوقود المرتفعة، فإن الرئيس، في الوقت الحالي والماضي، بدا متناقضاً. فقد صرح رداً على سؤال، بالقول: "إذا كنت تشكو من سعر الوقود، وتستهلك غالوناً لتقطع ثمانية أميال، فكما تعلم، ربما ترغب في التفكير في مسألة المقايضة". تقطع بعض مركبات الركاب الكبيرة اليوم ثمانية أميال من خلال استهلاك الغالون الواحد، والكثير من الأميركيين الذين يعانون وطأة الركود، لا يمكنهم حتى التفكير بأريحية في مسألة "المقايضة".
في عام 2008، خاطب أوباما مخاوف المستهلكين من ارتفاع أسعار الوقود، بالقول: "لكننا يمكن أن نوفر جميع النفط الذي يتحدثون بشأن تراجع الحفر فيه، فإذا كان الجميع يملأون إطارات سياراتهم ويحصلون على صيانة بشكل منتظم، يمكنك حقاً أن توفّر الكثير". ولنلاحظ الخيال مرة أخرى!
ما الذي يفسر الخطاب الغريب للرئيس أوباما وإدارته؟
أولاً، منذ وقت ليس بالبعيد، كانوا يعتبرون أن ارتفاع أسعار الطاقة ليس بهذا السوء. يكون النقل الجماعي الذي ترعاه الحكومة ومشروعات الطاقة البديلة، من الرياح والطاقة الشمسية لشركة "تشيفي فولت" المدعومة فيدرالياً، مجدياً فقط عندما يصير الوقود مكلفاً. وإذا كنت تعتقد في ظاهرة تسخن الأرض التي يتسبب فيها الإنسان، إذن فكلما انخفض الفحم أو الغاز أو النفط الذي يستخدمه الأميركيون، كان ذلك أفضل بالنسبة لكوكب الأرض.
ثانياً، إن أي رئيس يعتقد بأن السيارات الحديثة تحصل على ثمانية أميال لدى استهلاك غالون، أو بحاجة متكررة إلى عمليات صيانة، وأن التضخيم المناسب للإطارات يمكن أن يكون بديلاً عن الحفر للحصول على النفط، فإنه لم يقم أبداً بإدارة عمل اعتمد على وجود غاز بأسعار متوسطة، من أجل تشغيل شاحنة أو جرّار أسطول سيارات. في الواقع، جاء معظم المسؤولين في إدارة أوباما إلى واشنطن، سواء من المؤسسات الأكاديمية أو من تعيينات الحكومة الفيدرالية، حيث تتسم السياسة بأنها نظرية، دون الاستناد إلى تجربة حقيقية.يبدو الكثير من أحاديث هذه الإدارة حول الطاقة، أشبه بنقاش غير رسمي في قاعة الكلية، أو ما كنا نتوقعه من البيروقراطيين الدائمين وموظفي القطاع العام، الذين لم تسبق لهم خبرة سفر طويل أو صراعات في أماكن العمل الأشد قسوة، التي تحركها النزعة للربح.
الاقتصاد العالمي آخذ في التعافي الآن، ويزيد استخدام الطاقة، في الوقت الذي يتراجع الدولار الأميركي، وتمر منطقة الشرق الأوسط الغنية بالنفط، بحالة من الفوضى، وهناك أكثر من ملياري نسمة في الهند والصين في حاجة ماسة للنفط المستورد. والنتيجة هي أن أسعار الوقود الأميركية بلغت مستويات فلكية، والجمهور غاضب ويطالب الإدارة بإجراءات لرفع المعاناة.
ما هو علاج المشكلة؟ بسيط؛ فبما أن انتخابات الإعادة تلوح في الأفق، فإن الإدارة الأميركية تصر الآن على أن ارتفاع أسعار الطاقة لم يعد أمراً جيداً، بل غدا سيئاً على نحو مفاجئ.. ويقع معظم المسؤولية على شركات النفط الشريرة!