من هو الأكثر تأثيراً في الحزب الجمهوري؟ أهو ما يسمى "حزب الشاي" أم وول ستريت والشركات الكبرى؟ سوف يكون الجواب عن هذا السؤال حاسماً في الأسابيع المقبلة، في الوقت الذي يقرر مجلس النواب ما إذا كان سيرفع الحد الأقصى بالنسبة للدين الوطني الأميركي.

يحذر وزير الخزانة الأميركي تيم غايتنر، من أنه إذا لم تتم زيادة هذا الحد بحلول الثاني من أغسطس المقبل، فسوف تفلس الحكومة الفيدرالية. وهي لا تغلق أبوابها، وإنما توقف الكثير من المدفوعات. ولكي يتم الاستمرار في دفع الفائدة على الديون الفيدرالية، وتجنب العجز عن السداد، سوف يتعين على الحكومة خفض الإنفاق بنحو 35%، أو نحو 8.3 مليارات دولار يومياً.

وكبار السن الذين يتوقعون وصول شيكات الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية، سيواجهون مفاجأة قاسية، وكذلك الحال بالنسبة للعسكريين وموظفي الحكومة الآخرين الذين يتوقعون أن يحصلوا على رواتبهم بالكامل. في الوقت نفسه، فإن دائني أميركا، من المرجح أن يستبد بهم الفزع إزاء خطر عدم السداد في المستقبل. ونتيجة لذلك، يمكن أن ينتهي الحال بأسواق الائتمان إلى السقوط الحر، وسوف تحلق أسعار الفائدة إلى مستويات فلكية، ويهبط الدولار.

إن هذا من شأنه أن يكون كابوساً بالنسبة لـ"وول ستريت" والشركات الكبرى، التي تعتمد على أسواق الائتمان ذات الأداء السلس. فهي بحاجة إلى الاقتراض في جميع أنحاء العالم، وتعتمد هي وعملاؤها على دولار مستقر نسبياً. لذلك فلتتوقع أن تمارس شركات وول ستريت والشركات الكبرى، الضغط على الجمهوريين في مجلس النواب لرفع سقف الدين، وهذا من شأنه أن يحقق المطلوب. لكن ليس بهذه السرعة.

إن ما يسمى بالجمهوريين من حزب الشاي، بمن فيهم جميع المنتخبين لمجلس النواب العام الماضي، بالإضافة إلى شاغلي المناصب الذي يخشون خوض معارك أساسية مع أعضاء حزب الشاي، يقولون إنهم لن يرفعوا سقف الدين ما لم يوافق الديمقراطيون على مطالبهم. يريد أعضاء حزب الشاي خفضا هائلا في الانفاق، ويقترحون تحويل الرعاية الصحية إلى قسائم، وتوزيع المساعدات الطبية على الولايات. ويرفضون النظر في أي زيادة للضرائب، بما في ذلك زيادة الضرائب على الأثرياء. بل على العكس من ذلك، فهم يعتزمون خفض هذه الضرائب.

تعلم "وول ستريت" والشركات الكبرى، أن هذه الشروط غير مقبولة بالنسبة للبيت الأبيض والديمقراطيين في الكونغرس، ولدى الكثيرين على امتداد أميركا. لذلك فإن وول ستريت والشركات الكبرى، تحاول بهدوء دفع أعضاء حزب الشاي في البرلمان، من أجل تخفيف مطالبهم المتشددة.

لكن أعضاء حزب الشاي لا يكترثون بالدين، فبالنسبة لهم حد الديون يعتبر بمثابة ورقة مساومة مؤثرة لتلبية مطالبهم، وهم غير قلقين إزاء أسواق الائتمان العالمية. فلو أن الثقة والمصداقية الكاملتين في الحكومة الأميركية تعرضتا للخطر، فسيكون ذلك أفضل بكثير بالنسبة لهم.

يكره أعضاء حزب الشاي الحكومة أكثر مما يكرهون الدين القومي، وهدفهم الحقيقي هو تقليص الحكومة. لهذا السبب فهم يرفضون تقليص ذلك الدين عبر زيادة الضرائب، ولو على الأثرياء، فزيادة الضرائب لا تقلل من حجم الحكومة. لكن "وول ستريت" والشركات الكبرى، تكره الدين القومي أكثر مما تكره الحكومة. بل إنها لا تمانع في زيادة محدودة في الضرائب على الأثرياء مثلها، من أجل التوصل إلى اتفاق بشأن زيادة الدين القومي. ولديهم الكثير من المال، ونادراً ما تلاحظ ذلك.

في الحقيقة، كانت الحكومة مفيدة بالنسبة لـ"وول ستريت" والشركات الكبرى. فقد أنقذت "وول ستريت"، وأنقذت "جنرال موتورز" و"كرايسلر" و"إيه آي جي". ومعظم الإنفاق الحكومي يحسّن أرباح الشركات الصناعية الكبرى، والمتعاقدين العسكريين، وشركات الزراعة الكبيرة، وشركات التأمين العملاقة في مجال الرعاية الصحية، وشركات الأدوية الكبيرة، وشركات الإنشاءات الكبرى كذلك.

ويكنّ أعضاء حزب الشاي القدر نفسه تقريبا من الازدراء للشركات الكبرى ووول ستريت، كالذي تكنونه للحكومة. ففي نهاية المطاف، نشأ حزب الشاي نتيجة الغضب من خطة إنقاذ وول ستريت.

هذا هو جوهر الحرب الأهلية الوشيكة في الحزب الجمهوري. وحتى الآن، يبدو أن أعضاء حزب الشاي ينتصرون. وخلال خطاب ألقي مؤخراً في النادي الاقتصادي في نيويورك، قال رئيس مجلس النواب جون بوينر للمحركين في وول ستريت والشركات الكبرى، إن الجمهوريين في مجلس النواب سيطالبون "بتخفيضات بتريليونات، وليس ملايين فقط" كشرط لرفع سقف الديون.

يعرف بوينر أن الطريقة الوحيدة لإجراء تخفيضات بهذا الحجم من دون زيادة الضرائب على الأغنياء (تخفيض الدفاع، شيء آخر لن يفكر فيه الحزب الجمهوري)، هي تخفيض الرعاية الطبية والمساعدات الطبية، والقضاء على أي شيء آخر يعتمد عليه معظم الأميركيين.

لماذا ينتصر حزب الشاي؟ تسيطر وول ستريت والشركات الكبرى على الإنفاق في الحزب الجمهوري، لكن أعضاء حزب الشاي الآن بمثابة قوات برية. ويحتاج الجمهوريون في مجلس النواب إلى هذه القوات البرية، للفوز بالأصوات في عام 2012، ويعتقدون أن وول ستريت والشركات الكبرى سوف تدعمهم، بغض النظر عما يحدث.

لكن بوينر وزملاءه يلعبون بالنار. فإذا لم يتم رفع سقف الديون وبدأ النظام المالي بالانهيار، فإن الحزب الجمهوري سيخسر، وليس فقط وول ستريت والشركات الكبرى.. كما سيخسر أيضا كل من لا يزال عاقلاً.