انشغل الوسط السياسي اللبناني، خلال الشهر الفائت وبعض الشهر الحالي، بحدثين كبيرين ستكون لهما تداعيات غير يسيرة على المسيرة المستقبلية للأوضاع العامة:
1- صدور القرار الظني حول اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، عن المحكمة الدولية المخصصة لذلك، متهماً عناصر بعضها قيادي في :حزب الله.
2- انعقاد الجلسة النيابية التي منحت الثقة لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي بأكثرية بسيطة.
فماذا في خلفيات الحدثين؟
في ما يتصل بالقرار الظني، سجلت القوى السياسية خمس ملاحظات رئيسية:
1) كان القرار الظني متوقعاً، سواء في حيثياته أو عناصره الاتهامية. أما التوقيت فكان مفاجئا بعض الشيء، حيث اعتبر كثيرون أنه سيكون مع نهايات الشهر الجاري، وليس في أوائله.
2) خلافا لظنون البعض أو مخاوفه على الاستقرار الأمني، لم يتحرك الشارع، ولم تصدر أية ردود فعل من نوع التظاهرات أو الاعتصامات أو الاحتكاكات الأمنية. وإذا كانت هذه الظاهرة تعود أساسا إلى غياب عنصر المفاجأة وتوقع الجميع أن ينطوي القرار على ما انطوى عليه من اتهام "حزب الله"، إلا أن قرار القيادات السياسية السنية والشيعية، لعب دوراً رئيسياً في منع أي احتكام إلى الشارع، أو "تنفيس" الغضب بشكل عنفي يسيء إلى الهدوء الأمني المسيطر.
3) كان للهجوم المركز والمستمر منذ شهور، الذي يشنه "حزب الله" على القرار الظني، والسجالات التي أطلقها الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله، دور أساسي في إفقاد القرار وهجه الإعلامي، فضلا عن أن ردود الفعل العربية التي جاءت خافتة أسهمت في وضع القرار الظني في حدود الحدث المتوقع والخالي من الإثارة.
4) لم يكن مستغربا أن يتصرف "حزب الله" حيال القرار وما يوجبه من تسليم المتهمين للعدالة الدولية، بمثل ما تصرف به من رفض. فلم يكن أحد في لبنان أو خارجه يتوقع أن يبادر حزب الله إلى قبول القرار، أو الإقرار بشرعية التهمة الموجهة إليه، وهو الذي دأب على التنصل من مجريات المحكمة واعتبارها باطلة منشأ وتركيبة وقرارات، إلى حدود وصفها بأنها محكمة أميركية إسرائيلية. وقد شارك في رفض الخضوع للقرار جميع مكونات الأكثرية الجديدة، وخصوصاً في جناحها المسيحي المتمثل بالعماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية.
5) تعتقد المعارضة ممثلة بحركة 14 آذار وعمودها الفقري تيار "المستقبل"، أن نوعا من توزيع الأدوار سينشأ بين الحكومة و"حزب الله"، تعلن بموجبه الحكومة احترامها للقرار، فيما يعلن "حزب الله" رفضه القاطع له وعدم استعداده لتسليم المشتبه فيهم، وهكذا تحفظ الحكومة ماء وجهها ولا تغامر في مناطحة القرارات الدولية أو الخروج على شرعيتها، بينما يحتفظ "حزب الله" لنفسه بحرية القرار والحركة.
فهل ستنجح هذه الاستراتيجية؟ وهل سينفذ لبنان متوجباته المالية حيال المحكمة فيسدد نسبة الـ49% من تمويلها، وفق الاتفاق الذي عقدته الحكومة السابقة مع المحكمة الدولية؟ وهل يضغط "حزب الله" من أجل سحب القضاة اللبنانيين من المحكمة أم يتركهم مكتفيا بعدم الخضوع لقراراتها الاتهامية؟
أما في ما يتصل بالمبارزة الحامية التي حصلت بين الأكثرية الجديدة والأقلية، تحت قبة البرلمان وانتهت بحصول الحكومة الميقاتية على ثقة المجلس النيابي، ولو بأكثرية بسيطة جداً (68 نائباً من أصل 128)، فقد استدعت الملاحظات الأتية:
أولاً: سجل عدد النواب الذين تعاقبوا على الكلام رقما شبه قياسي، حيث تحدث نحو 50 نائباً في الجلسات التي استمرت ثلاثة أيام متتالية، مما كشف تراكم المشكلات الخلافية وحاجة النواب إلى منبر يعبرون من خلاله عن الاحتقان السياسي المتزايد.
ثانياً: رغم أن جلسات مجلس النواب بقيت تحت سقف معقول ولم تخرق الأعراف البرلمانية، إلا أن مداخلات عدة حفلت بتعابير نابية واستفزازية، منها "العميل" "والخائن"، مما يشير إلى انحدار كبير في اللغة السياسية وتدنٍّ في مستوى التخاطب لم يسبق أن بلغه المجلس النيابي.
ثالثاً: تمحور السجال برمته حول ثلاثة مواضيع:
1. سلاح "حزب الله" ووظيفته.
2. القرار الظني وما تضمنه من اتهام عناصر في "حزب الله" باغتيال الشهيد رفيق الحريري.
3. كيفية إسقاط الحكومة الحريرية السابقة وتكليف الرئيس ميقاتي تشكيل الحكومة الجديدة، مع ما حفلت به تلك المرحلة من ضغوط مالية وتهديدات ضد بعض النواب لتبديل مواقفهم السياسية. وفي هذا الصدد لوحظ إغفال كامل للملفات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية في مداخلات النواب، واقتصارها على العناوين السياسية الخلافية، مما يكثف غلبة مطلقة لهاجس الصراع السياسي الذي يضرب البلاد، على حساب الهموم المعيشية للمواطن اللبناني.
رابعاً: غياب شبه مطلق للقوى الوسطية، مما يشير إلى حدة الاستقطاب السياسي الذي يلغي الوسطية، ويشطر البلاد بين 8 و14 آذار بشكل حصري.
خامساً: غلبة الانشطار المذهبي الفاقع على الموقف من الحكومة تأييداً أو رفضاً. وغني عن القول إن انشطاراً على هذا المستوى يهدد السلم الأهلي، ويحول دون إنتاج تفاهمات وطنية غير مذهبية.
سادساً: سعى الرئيس ميقاتي إلى التمايز في موقفه من المحكة الدولية عن موقف "حزب الله"، فالرئيس ميقاتي حرص على تأكيد "احترامه" للقرارات الدولية ورغبة لبنان البقاء في إطار الشرعية الدولية، فيما كرر "حزب الله" رفضه القاطع للمحكمة ولأي تعاون معها.
انتهت المبارزات النيابية ونالت الحكومة الثقة، لكن أزمات لبنان الداخلية ومع المحكمة الدولية تبدأ اليوم، في ظل توجس من قبل النافذين في مجلس الأمن الدولي، من عدم قدرة لبنان على الوفاء بالتزاماته الدولية، خاصة في ظل أزمات اجتماعية متفاقمة.