بدأت قبل أيام تباشير دورة جديدة من دورات المجلس الوطني الاتحادي، عبر اعتماد قوائم الهيئات الانتخابية للمجلس، والتي زاد عدد أعضائها على 129 ألفاً على مستوى الإمارات.
وهو سقف عالٍ نسبياً يتضح من ارتفاعه حجم الأمل المعقود من القيادة على تعميم المشاركة السياسية، والارتقاء بالثقافة الديمقراطية في مجتمع الإمارات، وهو ما يترجم بجلاء أيضاً، التوجه الحضاري الذي تنتهجه الدولة في وقت لم يعد مقبولاً فيه سوى المشاركة السياسية، القائمة على التكافؤ وإتاحة الفرص أمام الجميع في بناء الدولة.
وفتح جميع الأبواب أمام الراغبين في العمل من أجل رفعة الوطن وتحقيق طموحاته. مرحلة جديدة يتزاحم فيها التحدي والمأمول، والواقع والمستقبل، وتتشارك فيها الرؤى والعقول، للوصول إلى ترسيخ القدم السياسية في ثقافة أبناء الإمارات شيئاً فشيئاً، في انتقال حضاري يصعد بالشعوب إلى سلم الديمقراطية، ويأخذ بيدها إلى فهم أوسع وأعمق لمدلولاتها وآليات ممارساتها.
والمشاركة السياسية الواسعة التي تأملها القيادة الرشيدة من جميع أبناء الشعب، لا يمكن أن تكون جرعة دواء مسكن لأعراض الحراك الجماهيري الواعي في أي مجتمع، بل هي غذاء متواصل ممنهج، يرتقي بوعي الفكر الجماعي لدى الشعوب، ليكون منهج التفكير أولاً مبنياً على المشاركة والحوار وقبول الآخر، ثم تكون الممارسة الاجتماعية والسياسية ثمرة لهذا الوعي.
ولا شك أن توسيع أعداد أعضاء الهيئات الانتخابية لانتخابات المجلس الوطني الاتحادي لهذا العام، يؤكد سير الإمارات الحثيث نحو إشاعة هذا المنهج التشاركي السياسي، وهو توسع مفتوح بلا سقف في الدورات القادمة لتتضاعف هذه الأرقام. والحديث عن المأمول من المجلس الوطني الاتحادي، يبدأ من كل فرد من أبناء الشعب، وليس المعتمدين في القوائم الانتخابية فقط، وذلك بأن يحقق الفرد المأمول منه كمواطن يضع الوطن في فكره السياسي على قمة أولوياته.
وتظل مصلحة الوطن هي الناظم الحقيقي والوحيد لحركة العمل الاجتماعي والسياسي، لأن ذلك سيكون بلا أدنى شك الضامن لثمرات الاجتهادات الفكرية على كل المناحي والصعد، ما يؤسس للحراك الديمقراطي حسب قناعة القيادة السياسية في الدولة، وحتى يغدو المجلس الوطني الاتحادي محققاً للمأمول منه في نقل صوت الشارع الإماراتي، ودعم الحكومة في برامجها النهضوية والتنموية.
وعلى الرغم من أن سلطة المجلس لا تزال استشارية، إلا أنه استطاع حجز مكانه في الحياة البرلمانية والنيابية في الدولة، فهو حلقة الوصل بين المجتمع وصناع القرار، ما يجعل له في المستقبل إمكانية الانتقال بسلاسة نحو حجز مكانه إلى جانب السلطة التنفيذية، لا سيما وأن أعضاءه المنتخبين يملكون من الوعي الثقافي والسياسي والحرص على الوطن والمجتمع ومصالحه، ما يؤهلهم لممارسة مثل هذا الدور بنجاح، في جو ديمقراطي عام يناسب الواقع والمرحلة، ويواكب المتغيرات على الساحتين العربية والدولية.
ونحن حين نقول هذا الشيء، إنما ننطلق من الثقة الواسعة التي يحظى بها أعضاء المجلس الوطني الاتحادي من طرفي المعادلة الوطنية، وأعني بهما القيادة والمجتمع، فوجود أعضاء المجلس في منطقة الوسط الوطني بينهما، والثقة الممنوحة لهم، يرفعان من رصيد المطلوب منهم، سواء من حيث نقل حاجات المجتمع وطموحاته في اتجاه القيادة واقتراح التوصيات، أو لنشر التوجهات العامة والرؤى الحكومية في اتجاه الشعب واقتراح البرامج والآليات.
وبحثنا المستمر عن دور ريادي للمجلس الوطني خلال المرحلة المقبلة، ليس إلا ترجمة للمكانة الرائدة التي وصلت إليها الإمارات على كل المستويات، ومنها مستوى الوعي الثقافي الجماهيري والتعليم العالي والإعلام المفتوح الذي يتسع لكل الآراء، في بيئة تشاورية ممتدة، يؤمل فيها ألا تستثني أحداً ولا تكتم صوتاً، ما دام يرجو الخير لهذا الوطن وينطلق في عمله وقوله من حرص على منجزاته ومكتسباته ووحدته ومكانته.
والتماسك الداخلي الذي ستثمره الممارسة السياسية الواعية والحراك الديمقراطي الرصين، سيكون هو الوقود الدائم للتماسك الخارجي والمكانة الإقليمية والعربية والدولية التي وصلت إليها الإمارات، ما يؤمن الرافد لبلورة الفكر السياسي الخارجي بثقة المطمئن على الاستقرار الداخلي، والنضج الفكري الضامن لتجنب أي تصدعات في بنية المجتمع. ومن هذا الباب تنفذ الآمال والطموحات في أن تكون تشريعات الدولة دوماً انعكاساً للمكانة الرفيعة والمتقدمة التي تحتلها الإمارات، وأن يعكس أعضاء القوائم الانتخابية أو المنتخبون للمجلس، المكانة الراقية التي وصل لها أبناء الإمارات، في أنهم ثمرة تطور وتقدم عملت على تحقيقه الدولة لسنوات.
وكلما كان التركيز منصباً على تأصيل التشريعات التي تعزز العلاقة والحوار بين القيادة والشعب، كانت النتائج على الواقع تحمل شفافية أكبر، وقدرة على تجاوز العقبات الاجتماعية والمطبات السياسية أو الاقتصادية، بما يلبي طموحات الدولة والمجتمع.