بصدور عدد أمس من صحيفة «نيوز أوف ذا وورلد»، يكون قد أسدل الستار على واحدة من أكثر صحف العالم الناطقة باللغة الإنجليزية انتشاراً وشعبية، مخلفة وراءها 168 عاماً من النجاح القائم على التخصص في نشر فضائح المشاهير، خاصة في مجالي المال والجنس اللذين يستحوذان على اهتمام القراء، لتنتهي مسيرة الصحيفة بفضيحة لا تقل دوياً عن تلك الفضائح التي نشرتها على مدى 168 عاماً من عمرها.

«لقد تلطخت الصحيفة بهذه الفضيحة ولم يعد لها مكان في شركتنا». بهذه العبارة أنهى «جميس مردوخ» رئيس شركة «نيوز انترناشونال»، مسيرة صحيفة الفضائح التي أسسها «جون براون بيل» عام 1843، لتصبح بعد ذلك الصحيفة الشعبية الأشهر في بريطانيا.

ولتشكل مع شقيقاتها «التايمز» و"الصن» و"صنداي تايمز»، واسطة العقد في امبراطورية أخطبوط الإعلام الملياردير أسترالي الأصل «روبرت مردوخ»، الذي يسعى من خلال مؤسسته «نيوز كوربوريشن» إلى الاستحواذ على المزيد من إعلام العالم.

الصحيفة البريطانية الشعبية الأولى التي تطبع مليونين و800 ألف نسخة تقريبا، لم تتعلم من فضائحها السابقة عندما وُجِّهت إليها قبل ستة أعوام، أصابع الاتهام بالتنصت على هواتف عدد من المشاهير ومن أفراد العائلة المالكة البريطانية، ودفع رشاً لعدد من رجال الشرطة الذين ساعدوها في الحصول على أخبار حصرية حول جرائم وقضايا بوليسية، الأمر الذي اضطرها إلى دفع تعويضات مالية ضخمة تراوحت بين 20 و30 مليون جنيه استرليني! ولم يكن هذا ليضيرها مقابل الدخل الإعلاني الهائل الذي كانت تحققه، كما أنه لم يقلل من شعبيتها بين قرائها، لأنها كانت تستهدف بفضائحها شريحة من المجتمع يستمتع القراء برفع ورقة التوت عنهم وكشف عوراتهم.

لكن القائمين على الصحيفة خانهم هذه المرة ذكاؤهم، فتجاوزوا الخط الأحمر عندما تنصت محرروها على الهواتف النقالة لعدد من ضحايا الأعمال الإجرامية وأقاربهم في جرائم عادية، الأمر الذي انعكس سلبا على مسار تحقيقات رجال الشرطة، ثم تجاوز محررو الصحيفة خطاً أحمر أكبر، عندما تنصتوا على هواتف عدد من أقارب ضحايا الهجوم الإرهابي على شبكة المواصلات البريطانية المعروف بـ7/7 عام 2005، وعلى هواتف عائلات الجنود البريطانيين الذين قتلوا في العراق وأفغانستان، الأمر الذي جعل رئيس الوزراء البريطاني «ديفيد كاميرون» يقول: «ما يحدث ما عاد يمس النجوم والمشاهير فحسب، وإنما ضحايا القتل والإرهاب أيضا، ولا يمكن وصف هذا السلوك إلا بأنه مريع ومقزز».

فضيحة أكثر صحف التابلويد شعبية في بريطانيا، وربما بين الناطقين باللغة الإنجليزية في العالم، تطرح من جديد السؤال حول حرية الصحافة، والحد الذي يجب أن لا تتجاوزه في بحثها عن المعلومة، والمدى الذي يمكن أن تذهب إليه في سعيها للتفرد والحصول على الخبر الحصري، الذي تعتقد أنه يرفع من أسهمها بين قرائها ومعلنيها.

 وإذا كان هذا يحدث في واحدة من أكبر وأعرق الديمقراطيات في العالم، فأي صورة يمكن أن نتخيل عليها حال وسائل الإعلام في الدول الأقل ديمقراطية، وفي تلك التي تصنف على أنها من الديكتاتوريات التي ما زالت تحتفظ لها بمكان في عالم أصبح أكثرَ انفتاحا، وأقلَّ تقبلا للأنظمة التي تفرض وصايتها على وسائل الإعلام وتوجهها لخدمة مصالحها وأهدافها، رغم كل منافذ التعبير التي لم تعد حكرا على الإعلام الرسمي وحده، أو ذلك المملوك لتكتلات اقتصادية كبرى وإمبراطوريات إعلامية على غرار إمبراطورية «مردوخ» وأمثالها، وما يثار حولها من علامات استفهام تتعلق بخدمتها لمصالح أو دول معينة؟

يدفعنا إلى هذا التساؤل أيضا، ما يحدث في محيطنا من حراك في موسم «الربيع العربي» الذي نزفت، وما زالت تنزف، فيه دماء كثيرة تدفع ضريبة التحول الذي تلعب فيه وسائل الإعلام أدوارا مختلفة، تختلط إلى درجة اتهام كل طرف للطرف الآخر بالتحريض وتزييف الحقائق.

وهي حالة بدأت تتضح معالمها منذ ثورة الياسمين في تونس، وأخذت في التصاعد مع ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر، وما زالت تتنامى مع انتشار عدوى الثورات، ما حُسِم منها، وما لم يُحسَم لصالح طرف من الأطراف، وتغشاها ضبابية لا نعرف متى ستنقشع لتتضح الرؤية فيها.

من يتابع حراك إعلامنا منذ بداية تفتح زهور «الربيع العربي»، يدرك أننا مقبلون على إعلام مفتوح متحرر من كل القيود التي كانت تفرضها مرحلة «الخريف العربي» ومواثيق الشرف التي كانت تُفصَّل على المقاس، وتُطبَّق حسب المزاج، وتُستخدَم لتهديد وإزاحة من لا يخضع لتعليمات حراس البوابات، الذين أحيلوا إلى الاستيداع مع الذين كانوا يهيمنون على الإعلام ويوجهون بوصلته إلى الجهة التي يريدون.

ورغم أننا مع الإعلام المفتوح الذي نأمل أن يملأ صدورنا بهواء نقي لم نستنشقه منذ زمن كدنا ننسى عدد سنينه، إلا أننا نخشى أن يتسلل مع هذا الهواء شيء من الرياح الخبيثة التي يمكن أن تلوث نسمات الربيع العليلة. وقد شممنا رائحة بعضها خلال نصف العام العاصف الذي عشناه.

وليس ببعيد عنا فضيحة القناة التلفزيونية المصرية الخاصة التي فبركت مقابلة مع فتاة ادعت أنها ناشطة تدربت على يد الموساد الإسرائيلي والمخابرات المركزية الأميركية في الولايات المتحدة وقطر، ثم انكشف زيفها. لكن هذه الرياح الخبيثة تبقى الاستثناء، بينما تظل القاعدة أن الطيب يطرد الخبيث دائما، وفي درس «نيوز أوف ذا وورلد» موعظة لخّصها لنا «جيمس مردوخ»، حين قال للعاملين في الصحيفة التي أغلقت أبوابها أمس، وذهب العاملون فيها إلى حال سبيلهم: «تعمل «نيوز أوف ذا وورلد» على محاسبة الآخرين.. وفشلت حين تعلق الأمر بها».