أثارت تصريحات رئيس مجلس النواب العراقي أسامة النجيفي، التي أدلى بها لقناة "الحرة" الفضائية خلال زيارته الرسمية للعاصمة الأميركية واشنطن، حول وجود نوازع لدى "سنة" العراق لإقامة إقليم خاص بهم، زوبعة سياسية كبيرة داخل العراق وخارجه، وذلك لحساسية الموضوع الذي تطرق إليه من جهة، ولطبيعة الأجواء غير الصحية السائدة في الساحة السياسية العراقية من جهة أخرى. ففي الوقت الذي اعتبرها البعض مؤشرا جديدا على مدى عمق الهوة بين مكونات الشعب العراقي، اعتبرها آخرون رسائل سياسية هدفها الضغط على الأطراف السياسية الأخرى، في حين اعتبرها آخرون مطباً ما كان لشخص يشغل هذا المنصب الرفيع أن يقع فيه.

من جهتها سارعت "القائمة العراقية" التي يشغل النجيفي فيها موقعاً قيادياً متقدماً، للنأي بنفسها عن هذه التصريحات، وأكدت وقوفها بحزم ضد أية محاولة لتمزيق البلاد على أسس "طائفيّة بغيضة"، وحرصت على التأكيد "إن العراقيين يدركون حجم المؤامرات التي تحاك ضدهم لإضعاف بلدهم وتمزيقه". جاءت تصريحات النجيفي وسط أجواء سياسية متشنجة، تشهد شحناً طائفياً مدروساً بغية صرف الأنظار عن حقيقة الأوضاع السيئة التي يعاني منها المواطنون، فتلقفتها بفرح وغبطة جهات متعددة، قد يحمل بعضها نوايا مبيتة لتمزيق وحدة العراق، معتبرة إياها مبررات مشروعة للعودة إلى الدعوة لتشكيل الأقاليم، على أسس عرقية ومذهبية.

والحقيقة أن النجيفي لم يطالب بتشكيل إقليم "سني"، وإنما نقل في معرض تقييمه لأوضاع العراقيين "السنة"، ما يدور في دواخل البعض منهم، كما أن من غير الموضوعي القول بأن من التقى بهم النجيفي، مهما بلغ عددهم ومهما تميز مركزهم السياسي والاجتماعي والقبلي، يمثلون "الطائفة السنية" في العراق. فقد قال ما نصه: "الانطباع الذي لديّ من خلال الزيارات واللقاءات، أنهم يشعرون بالإحباط الشديد وبأنهم مواطنون درجة ثانية، وغير مشاركين حقيقة في السلطة. وهذا أمر خطير يجب أن يُعالج بحكمة وبسرعة، قبل أن تتطور الأمور إلى التفكير بنوع من الانفصال".

الفيدرالية قضية أدرجت في الدستور العراقي الذي أقر العمل به عام 2005، على الرغم من عدم وجود إجماع عليه، وكان الدافع لإدراجها هو ضرورة إيجاد مبرر دستوري لوضع إقليم كردستان، إلا أن ذلك قد خلق حالة تسمح بالدعوة لتشكيل أقاليم أخرى، وفق معايير وضوابط حددها الدستور. وقد سبق أن تبنى بعض الأحزاب السياسية الدعوة لإنشاء إقليم من تسع محافظات في الوسط والجنوب، ودعوة أخرى لإنشاء إقليم البصرة.

إلا أن تلك الدعوات لم تلق أصداء تذكر في الشارع العراقي، لأن المواطن استشعر منها نوايا لتقسيم العراق. وقد عمدت الجهات التي طرحتها إلى إسقاطها من أجندتها في الانتخابات النيابية الأخيرة. لا أحد ينكر أن العراق يشهد حالة عدم استقرار، وأن التجربة الديمقراطية التي تمارس فيه تعاني حالة تخبط وتعثر، وهناك خلل في معظم مفاصل الدولة، وأداء ضعيف أو متواضع في أحسن الحالات لمؤسساتها، وإحباط شعبي واسع. فالعملية السياسية تشكو من علل كثيرة أصبح بعضها مزمناً، وليس من المستبعد، في الأجواء التي سمحت بمجيء من ينتمي لطائفته قبل أن ينتمي لوطنه، إلى عدد من مراكز صناعة القرار، وأن يصار إلى التمييز بين المواطنين على أساس الانتماء المذهبي، الذي عكسه النجيفي في تصريحاته.

ولكن مقابل ذلك، ليس أمام العراقيين من وسائل للتعامل مع كل هذه الرزايا، سوى التسلح بالوعي وبمبدأ الولاء للعراق، أياً كان الحاكم فيه، فالفيدرالية ليست المخرج السليم لمواجهة ذلك. إن الحكمة تتطلب فضح هذه الممارسات في وسائل الإعلام المتنوعة، وتقديم الأدلة على وقوعها وإدانة مرتكبيها وتقديمهم للقضاء، والمطالبة بطردهم ومن يقف وراءهم من المواقع التي يشغلونها، والاحتكام إلى الدستور الذي لا يسمح بتفرقة كهذه.

إن الضمان الحقيقي لمستقبل جميع مكونات الشعب العراقي، هو التمسك بأبرز الثوابت الوطنية، وهو البقاء في العراق وعدم التفريط في وحدته. أما الطروحات عن الفيدرالية التي عادت إلى الواجهة في الآونة الأخيرة، فمن الضروري محاصرتها، لأنها تأتي في غير وقتها. صحيح أن الفيدرالية لا تعني الانفصال، إلا أنها قد تمهد لذلك، فهذه النزعة تكتسب خطورة استثنائية في أجواء الانحطاط السياسي التي يشهدها العراق، وقد يجد فيها بعض الجهات التي لديها نزعة انفصالية، فرصة سانحة للنيل من وحدة العراق.

قد لا يخلو مجتمع في العالم من مكونات لها بعض الخصوصيات الإثنية أو الدينية أو المذهبية، ففي معظم المجتمعات تتعدد اللغات وتختلف اللهجات وتتنوع العقائد وتتمايز الأعراق. هذه أمور لا يمكن تجاهلها أو إنهاؤها بأية وسيلة، والحقيقة أنه لا ضرورة لذلك على الإطلاق. وقد أثبتت تجارب العديد من الشعوب، أن ثراءها الاجتماعي والروحي يكمن في تنوع ثقافات وعادات وتقاليد مكوناتها، وأثبتت هذه التجارب كذلك أن لجوء الحكومات إلى الكبت والاضطهاد لـ"مكون" معين، مهما طال فإنه لم يستطع أن يغير من الخارطة الاجتماعية للبلد، إن لم يكن قد أساء إليها، ولم ينل من ذلك "المكون" قدر ما نال من البلد.

إن التفكير من منطلق الانتماء إلى الجذور ووضع استراتيجيات بناء الدولة وفق ذلك، لم يعد يتفق مع متطلبات الحياة المدنية المعاصرة، التي لها منطلقات أخرى لضمان الاستقرار وتحقيق السلم الأهلي وتأمين مستلزمات الحياة الكريمة. والعراق في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخه، بحاجة إلى بناء دولة مدنية تتعزز فيها النزعات التي تجعل الفرد أقل رغبة في التبشير بمعتقداته، وأقل رغبة في الدخول في صراعات بسببها.

وإذا كانت الحكومات المتعاقبة في العراق، قد فشلت في خلق هوية وطنية للمواطن العراقي تطغى على هوية الانتماء العرقي أو الديني أو المذهبي الضيق، ولم تعمل على تقوية مناعة العراق ضد التفكك، فهناك فرصة أمام العراقيين لدحر التوجهات الانفصالية وهزيمتها حين تعرض للاستفتاء، وفرصة أخرى لاجتثاث جذورها في الانتخابات النيابية القادمة، وإسقاط الرموز التي زرعت نزعة التجمع في الخندق العرقي أو الخندق المذهبي.