مسكينة باكستان! لقد استأسدت الولايات المتحدة على هذا البلد الفقير وأساءت معاملته لفترة طويلة، من خلال إجبار الحكومة الباكستانية على الحصول على 22 مليار دولار كمساعدات، ولا عجب في أن عملاء الاستخبارات يهينون من يتحيزون للولايات المتحدة، ويهددونهم بالقتل.

وفي نهاية المطاف، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما استراتيجيته للانسحاب من أفغانستان، وفي حين يطالب باكستان على نحو عدائي "بالوفاء بالتزاماتها"، يرى بعض المحللين أن القوات الأميركية لا يمكنها الانسحاب تماماً، لأن الولايات المتحدة بحاجة لقاعدة عسكرية من أجل شن غارات عبر الحدود على باكستان، وكان اغتيال أوباما لابن لادن في مايو الماضي نموذجاً لهذا.

ألا يمكن أن ترى واشنطن أن الغارة على ابن لادن زعزعة لاستقرار وأمن باكستان؟ إذن، فلا عجب من أن الجيش الباكستاني ألقى القبض على أكثر من 30 شخصاً اتهموا بمساعدة الولايات المتحدة في خطة الهجوم على معقل ابن لادن.

وقال حسين حقاني، السفير الباكستاني لدى واشنطن: "عندما يحدث شيء من هذا القبيل، فإنك بحاجة إلى معرفة ماذا حدث وكيف حدث، من هم المتورطون.. فلا تتم معاقبة أحد".

لقد ادعت الولايات المتحدة أنه لم يكن من الممكن أن تخبر باكستان بالغارة مسبقاً، خوفاً من أن يبلغ أحد الهدف. ومن المعلوم أن ذلك أغضب الباكستانيين. بعد ذلك في يونيو الماضي، وبعدما أبلغت الولايات المتحدة الجيش الباكستاني مرتين بتفاصيل استخبارية دقيقة حول مصانع القنابل الخاصة بالمسلحين، لاذ المسلحون بالفرار. وأوضح الجيش الباكستاني أنه، في المرتين، قدمت الولايات المتحدة معلومات استخبارية خاطئة. لا تنسوا أن الاستخبارات الأميركية توقعت أن العراق كان يمتلك أسلحة دمار شامل، قبل الغزو في عام 2003.

وبعد اجتماعه الشهري الأخير، أصدر الجيش الباكستاني بياناً أعلن فيه أنه "بحاجة لتوضيح أنه لم يقبل أي مساعدة في مجال التدريب من الولايات المتحدة قط"، فيما عدا بضع حالات محدودة. صحيح أن الولايات المتحدة تمنح باكستان أكثر من ملياري دولار كمساعدات عسكرية سنوياً، ولكن نسبة صغيرة فقط من ذلك لا تتعدى 100 مليون دولار، تذهب للتدريب.

تتسم علاقة باكستان مع الولايات المتحدة الآن بأنها في غاية الخطورة، وتصر باكستان على تحميل الولايات المتحدة الخطأ. يقول عمران خان، وهو رئيس أحد الأحزاب السياسية في باكستان: "لا يمكننا كسب الحرب الأميركية على ما يسمى بالإرهاب. هذه حرب لا نهاية لها، وسوف تسحق العمود الفقري للبلاد".

فلماذا يتعين على باكستان أن تسمح للولايات المتحدة بمواصلة إطلاق الصواريخ من دون طيار في المناطق القبلية في البلاد، حيث تعيش عناصر القاعدة وطالبان ومتشددون آخرون؟

من المؤكد أن هؤلاء المسلحين قتلوا 32 باكستانياً وأصابوا 52 آخرين في تفجيرات الثاني عشر من يونيو. وفجّروا مدرسة ابتدائية في 23 يونيو، وأرسلوا رجلا وزوجته من الانتحاريين لقتل 10 من رجال الشرطة يوم 26 يونيو.. هذه مجرد عينة صغيرة. ومؤخراً، وحسبما ذكرت صحيفة باكستانية، فإن المتشددين قتلوا 35 ألف باكستاني في السنوات الأخيرة.

لكن الباكستانيين يجزمون بأن كل ذلك جاء من باب الانتقام لتورط الولايات المتحدة في المنطقة. هذا هو السبب في أن الجيش الباكستاني يطالب بوضع حد لهجمات الطائرات الموجهة عن بُعد، في حين يتم قطع شحنات الغذاء والماء عن الأميركيين الذين كانوا يحرسون قاعدة لطائرات من دون طيار، قبل مطالبتهم أخيرا بالرحيل.

ورغم كل هذا، يحاول الأميركيون الإبقاء على محاولة إرسال العشرات من الدبلوماسيين وضباط الاستخبارات في البلاد، قائلين إنهم يأملون في مساعدة دولة تحارب الإرهاب. ولكن في ظل هذه الظروف، رفضت باكستان منحهم تأشيرات دخول.

عندما قامت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بزيارة إلى اسلام أباد في مايو الماضي، قالت إن الباكستانيين تعهدوا "ببعض الإجراءات المحددة للغاية" في المستقبل القريب لإظهار التزامهم بمحاربة الإرهاب. حسناً، فقد أوفت باكستان بالتأكيد. لقد أضرم المسلحون النار في ثلاث شاحنات تحمل إمدادات للقوات الأميركية في أفغانستان مؤخراً، وألقي القبض على أحدهم.

وفي وقت سابق، نفى جهاز الاستخبارات الباكستاني بشكل قاطع، اغتيال الصحافي سيد سليم شهزاد، كما أفاد مراسل التحقيق، بعد أن كتب مقالاً يظهر أن المتشددين تسللوا إلى صفوف الجيش الباكستاني.

لكن بعد ذلك بوقت قصير، ألقى الجيش القبض على ضابط كبير، وهو العميد علي خان، وأربعة ضباط آخرين بتهمة التعاون مع منظمة متشددة، وهي حزب التحرير (جاءت هذه الاعتقالات بعد أن أشارت هيئة الإذاعة البريطانية إلى تواطؤ خان في هذه القضية).

في منتصف شهر يونيو الماضي، نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن الجنرال أشفق برويز كياني قائد الجيش الباكستاني، شكواه من أن باكستان "رهنت نفسها للولايات المتحدة"، وأضاف: "إننا لا حول لنا ولاقوة. هل نستطيع أن نحارب أميركا؟".