رغم أن ثورة يوليو 1952 أعلنت منذ اللحظة الأولى لقيامها عن أهدافها بصورة مختصرة ركزت على الأماني الوطنية العامة التي تجمع صفوف الشعب في مواجهة الاحتلال البريطاني الذي كان مازال رابضاً بأكبر قاعدة عسكرية أجنبية في المنطقة في ذلك الوقت، وفي مواجهة الفساد وسيطرة رأس المال والإقطاع وإفلاس النظام القديم.
ورغم أن الثورة بدأت في تطبيق برنامجها على الفور لإحداث تغييرات أساسية في المجتمع (قانون الإصلاح الزراعي بعد شهور وإعلان النظام الجمهوري، ومحاكمة أقطاب النظام السابق) وللضغط من أجل إجبار الاحتلال البريطاني على الرحيل، إلا أن ذلك كله فتح أمام الثورة أبواب صراعات خطيرة، انقسمت فيها صفوف الثوار، وتباينت الطرق أمامهم.
وكان لابد من أن تمر الثورة بفترة صعبة امتدت لنحو عامين قبل أن يحسم عبد الناصر الأمر. وفي هذه الفترة التي كانت مليئة بالشكوك والمفتوحة على كل الاحتمالات، ومع اتساع الصراع ليشمل كافة القوى السياسية على الساحة، سواء من الأحزاب القديمة أو القوى الشابة أو الإخوان المسلمين، كانت المخاوف تزداد في الشارع الذي عانى قبل الثورة من الانقسامات السياسية التي استفاد منها الاحتلال، والذي كان يخشى من أن يتكرر الأمر، وتتحول الثورة إلى مجرد لاعب بين اللاعبين الذي فشلوا في السابق، وأن تظل الأمور بلا حسم لفترة طويلة.
وفي هذه الفترة انتشرت قصيدة بالعامية المصرية كتبها الشاعر الغنائي الشهير في هذا الوقت مأمون الشناوي كان يقول فيها:
ياترسملونا.. ياتبلشفونا
ملعون أبو كم على أبونا!!
وكان انتشار القصيدة إعلاناً بأن الناس ملت الصراعات، وتريد أن تعرف إلى أين تمضي الثورة بالبلاد، ومتى ينقشع ضباب الصراعات عن قيادة تملك الحسم، وعن برنامج عمل يحظى بموافقة المواطنين لترجمة أهداف الثورة إلى حقائق على الأرض.
الوضع الآن بعد ثورة يناير في مصر أكثر تعقيداً. فالثورة قامت بلا قيادة وبلا برنامج إلا إسقاط النظام السابق. وقد سقط النظام بعد ان فقد تأييد قيادة الجيش التي رفضت إطلاق النار على المتظاهرين وأعلنت أنها ستحمي الثوار. وبعد سقوط رأس النظام السابق وانتقال السلطة إلى القيادة العسكرية بدأت المشكلة الحقيقية مع متطلبات المرحلة لانتقالية الصعبة التي يفترض فيها إكمال إسقاط النظام القديم، ثم التوصل إلى توافق عام بين القوى الوطنية على ملامح النظام الجديد وخريطة الطريق للوصول إليه.
وللأسف فإن الطريقة التي تمت بها إدارة الأمور طوال الشهور الماضية لم تحقق الخطوات المطلوبة لاستكمال إسقاط النظام القديم، لا لفتح الباب أمام قوى الثورة لتتولى مقاليد الحكم بعد الاتفاق على برنامج عمل وطني يجسد ما هو مشترك بين كل قوى الثورة وإن اختلفت في التفاصيل.
فالمجلس العسكري الحاكم يبدي في زهده في الحكم ورغبته في العودة السريعة لثكناته. وهذا أمر طيب في حد ذاته لو تمت إدارة الفترة الانتقالية كما يجب. ولكن قلة الخبرة السياسية للمجلس العسكري وتصوره أنه قادر على إرضاء كل الأطراف جعله لا يحسم أموراً كثيرة لابد من حسمها، وجعله لا ينطلق في مهمته الخطيرة من حقيقة انه انحاز بالفعل للثورة منذ اليوم الأول حين تخلى عن النظام السابق .
ورفض إطلاق النار على الثوار. وبالتالي فإن قوى الثورة الحقيقية لن تقبل منه أن يكون مجرد حكم محايد بين أطراف تتصارع في الساحة، بل أن يكون جزءاً من هذا الصراع، بل جزءاً أساسياً عليه أن يحسم الأمر في الكثير من الصراعات لصالح الثورة وضد أعدائها في الداخل والخارج.
وكان من الممكن أن تتم معالجة هذا القصور، بان تكون هناك حكومة قوية تمثل قوى الثورة أو تحظى بثقتها، وان يعطيها المجلس العسكري السلطات الكافية لكي تقوم بالمهام المطلوبة للفترة الانتقالية، وأن يكتفي بأن يكون سلطة عليا للرقابة على أداء الحكومة وحماية الثورة، ولكن ما حدث أن الحكومة جاءت أضعف من المهام الموكولة لها، وأن هذه المهام انحصرت في «تسيير الأعمال» بينما ظلت القرارات الحقيقية في كل القضايا الهامة في يد المجلس العسكري. وهو ما أدى إلى ضعف موقف الحكومة وتآكل هيبتها وإدراك القوى المختلفة أن القرار ليس في يدها.
والنتيجة أن الناس تحس ان مهمة استكمال إسقاط النظام القديم تتأخر، وأن مهمة بناء النظام الجديد تتعثر، خاصة أن التسرع في إنهاء الفترة الانتقالية وإدخال كل القوى السياسية في مناخ التنافس الانتخابي بعد شهر واحد من الثورة لم يتح الفرصة لحوار كان ضرورياً بين القوى السياسية من أجل الوصول إلى توافق عام على برنامج العبور بالثورة من ميادين التحرير إلى الحكم.
بدلاً من ذلك، دخلت القوى السياسية في مناخ انقسام حقيقي منذ الاستفتاء الشهير الذي حوله البعض من حدث سياسي إلى «غزوة صناديق» وبدأت الأحزاب والقوى التقليدية تحاول وراثة الحزب الوطني المنحل وتوزيع ميراثه بينها حتى ولو بالتحالف مع«فلول الحزب المنحل» التي مازالت تملك السطوة والنفوذ خاصة في الريف.
بينما شباب الثورة يجدون أنفسهم شيئاً فشيئاً محاصرين من القوى التقليدية والجماعات السلفية وبقايا النظام السابق في وقت واحد، ويخشون من أن ينتهي الأمر بإعادة إنتاج النظام الذي سقط مع بعض الاصلاحات وبتغيير الوجوه واللافتات، ويدركون أن طريق الإصلاح ليس هو طريق الثورة التي انطلقت من ميادين التحرير ولم تصل إلى مراكز السلطة، فعادت مرة أخرى إلى الميادين تعالج الخطأ وتبحث عن الحسم وتتمسك بالأمل وتصر على الانتصار.