يحكم سوريا نظام حكم شمولي مخضرم، يعتمد سيطرة الحزب الواحد على مقاليد الحكم والسياسة ومفاصل الدولة. للنظام خصوم سياسيون، بدؤوا مقارعته منذ بداية سيطرة الحزب على السلطة، بُعيد منتصف القرن الماضي. جل المعارضين من طبقة التجار وأصحاب رؤوس المال، إضافة إلى نسبة كبيرة من الإسلاميين، خاصة من الذين يتبعون فكر حركة «الإخوان المسلمين». خلال مسيرته السياسية المتشددة، خلق النظام السياسي السوري الحاكم خصوماً عنيدين له في كافة الجهات والجبهات، تقريباً.
يعتمد النظام السوري القبضة الحديدية بشكل ظاهر، بل رئيسي، في التعامل مع الأوضاع الأمنية والسياسية المستجدة والطارئة، لكن هذه المنهجية لم تعد تعمل بفعالية، بعد مرور نحو عقدين من الزمن على سقوط القطب السوفييتي.
كان الاتحاد السوفييتي يقف سياسياً وعسكرياً، مع مناصرة التحركات الأمنية المضادة للمعارضة من قبل أصدقائه وحلفائه. الآن تواجه سوريا الدولة جبهة معارضة داخلية قوية، مدعومة بأنصار لها في الخارج. تقف إلى جانب هذه المعارضة العريضة القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة بكل جبروتها. ميزان القوى السياسي والعسكري والاقتصادي، يميل بشكل جارف لصالح المعارضة السورية.
اجتماعات قيادات المعارضة السورية في تركيا، وبعض العواصم الغربية، تعيد إلى الذاكرة تحركات المعارضة العراقية ضد نظام الحكم العراقي السابق، إذ تضم الاجتماعات أطيافاً واسعة للمعارضة السورية، تشمل الأحزاب العقائدية والعلمانية واليسارية والعشائرية، تقابلها في الداخل قوى شعبية تناصر النظام القائم، وتتمتع بقوة لا بأس بها في معادلة القوى الخارجية؛ لكن في ظروف أكثر ملاءمةً. النظام السوري يحاول جهده استخدام قوته الأمنية والدعم الشعبي لها، في مقارعة ومقاومة خصومه في الداخل والخارج.
الحالة السورية شديدة الخصوصية والتفرّد بين الحالات العربية الأخرى. تتمتع سوريا بقوة جيش ضاربة أمام قوة الاحتلال الإسرائيلي، فالجيش السوري يمتلك نحو خمسة آلاف دبابةً متطورةً، ولديه قوة أرضية رادعة من الصواريخ متوسطة المدى والمدفعية والعربات المدرعة، وأكثر من 500 طائرةً قتاليةً متقدمة الطراز.
هذه تمثل أولى أوليات السياسات الغربية والإسرائيلية للتخلص منها وتحويل الجيش السوري إلى شبه ركام، أسوةً بما حدث مع الجيشين العراقي والليبي.
بات في حلبة الصراع السورية الآن هنالك خصمان لدودان. لم تنفع التنازلات التي قدمها الرئيس السوري لاسترضاء المعارضة السورية وأنصارها. في كل مرة يقوم بخطوة تجاه الإصلاح والتغيير، تتهمه المعارضة بالتكتكة والتأخر في الإعلان والتشكيك بإمكانية التطبيق. يبدو الوضع مثل ملاكمين شديديْ البأس، ينتهز أحدهما فرصة ضعف أو تلكؤ أو تراجع الآخر، لينقض عليه بضربة قاضية.
أصبح الرئيس السوري «الإصلاحي» أمام خيار الحرب، أكثر منه أمام خيار التغيير والإصلاح السلمي الهادئ. إصلاح يحفظ سوريا من الاندثار السياسي والعسكري عن الخريطة الجيو-سياسية الإقليمية والدولية.
المراقب للمشهد السوري، يوقن أن الأمور باتت محسومة في اتجاه الحرب في الدوائر المهمة لصناعة القرار السياسي. ساحة الحرب هي سوريا، أسوة بما حدث في الأزمتين العراقية والليبية. السوري يحارب سورياً آخر، يحاول تخليصه من سلاحه ليقتله به، أو على الأقل للسيطرة به عليه. الجيش السوري في مرمى هدف القوى المتربصة، وخاصة قوته الصاروخية الاستراتيجية، والقوة الجوية والأرضية. كل ذلك مقابل تغيير يأتي بسلطة على شكل «مجلس انتقالي»، يحمل جملة معقدة من المناقب والصفات والمثالب.
سوريا الآن تدفع ثمن التغيير فاتورة باهظة الكلفة. من الممكن تجنّب دفع هذه الفاتورة لو يجلس الخصمان على طاولة، مستديرة أو مستطيلة؛ يتحاوران حولها بعقلية الحريص على مصالح الوطن والشعب والقضايا المصيرية. على كل طرف ألا يظل «راكباً عقله» العنيد المتشدد.
الكل يجنح إلى التغيير؛ حتى الذين يمسكون بأمور السيادة في سوريا، يوقنون أن التغيير خيار لا مفر منه. لكن الأمور حقيقة ليست في أيدي النظام السوري في الداخل، ولا المعارضة له في الداخل والخارج. إنها أكثر تعقيداً، وما على المرء إلا أن يأمل الخير، وتفادي الخسائر التي يمكن تفاديها.