هذه حكاية من الماضي القريب، تصلح لأيامنا هذه، لأن فيها ملامح من بعض ما نعيشه ونشاهده على أرض الواقع، وتنقله لنا بعض فضائياتنا العربية التي تندرج تحت مسمى "فضائيات العصر العثماني".

فجر الثاني من مارس عام 1991، وعند وصول أحد الجنود العراقيين الفارين من الكويت، سيرا على الأقدام إلى ساحة سعد في مدينة البصرة، حيث ينتصب تمثال لصدام حسين، كما هو الحال في كل ميادين العراق وقتها، قام هذا الجندي بإطلاق النار على التمثال وانهال عليه بسيل من الشتائم، فأشعل بذلك الشرارة الأولى لانتفاضة شعبية أطلق عليها "الانتفاضة الشعبانية".

ورغم أنها كانت انتفاضة كبيرة عمت أرجاء كثيرة من العراق، قتل فيها عدد كبير من العراقيين على مدى 14 يوما هي الفترة التي استغرقتها الانتفاضة، ودُمِّر الكثير من المدن العراقية وسُوِّيت بالأرض، واستخدم فيها النظام الأسلحة الثقيلة والطائرات، بل قيل إنه استخدم الأسلحة الكيميائية في مناطق كثيرة، رغم هذا كله لم يهتم الإعلام العربي بها الاهتمام الذي تستحقه.

في حين اهتم بها بعض القنوات والهيئات الأجنبية وانتجت عنها أفلاما وثائقية، وكان من سوء حظ هذه الانتفاضة أنه لم يتوفر لها من وسائل الاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي ما توفر لثورات الربيع العربي في أيامنا هذه، وإلا لكانت جنبت العراق والمنطقة كلها ويلات كثيرة، وربما حفظت لمحمد البوعزيزي حياته وكانت فاتحة الثورات التي تأخرت عقدين من الزمن.

كان العامل الرئيسي في اندلاع تلك الانتفاضة، هو الهزائم المتلاحقة التي مني بها العراق نتيجة الحروب التي خاضها نظام صدام حسين، والخسائر والتدمير اللذين لحقا بالعراق، والمنطقة الجنوبية تحديدا، وبالأخص هزيمة الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية التي اجتاح فيها أرض بلد شقيق في لحظة يأس أو جنون، وعدم مبالاة النظام بالخسائر، واستمراره في التبجح بالنصر المزعوم، الأمر الذي أدى إلى تعاظم نقمة الشعب. لذلك وبعد أن تم القضاء على الانتفاضة بكل ما عُرِف عن النظام من قسوة، أرسل صدام حسين في طلب رؤساء العشائر العراقية للاجتماع بهم.

توافد رؤساء العشائر على العاصمة بغداد، وتم تجميعهم في مجلس النواب، حيث انتظروا أكثر من خمس ساعات لم يقدم لهم خلالها سوى الشاي والماء، رغم أنهم قادمون من أماكن بعيدة، ثم تم وضعهم في حافلات نوافذها سوداء معتمة لا يمكن للناظر أن يرى من خلالها شيئا، ظلت تسير بهم وتنتقل من شارع إلى شارع، حتى أنزلتهم أمام مبنى من عدة طوابق، حيث تم تجميعهم في صالة واسعة، ليتعرضوا لفترة انتظار أخرى طالت عدة ساعات أيضا، لم يقدم لهم خلالها سوى الشاي والماء فقط، وعندما تمكن الإرهاق منهم، خاصة وأن أغلبهم من كبار السن، دخل عليهم صدام حسين، يحيط به عدد من الحرس المدججين بالسلاح.

كانت عيناه تقدحان شررا، ووجهه يتميز غيظا، وبدأ فاصلا من التقريع تخللته قذائف من الشتائم والسباب لم تسلم منها شوارب رؤساء العشائر ورجالها، ولا أعراض نسائهم، وصولا إلى الأبناء والأطفال الذين هدد بذبحهم، وسط ذهول رؤساء العشائر الذين ألجمتهم المفاجأة. وبعد أن انتهى من إفراغ ما في جعبته من غضب، غادر القاعة مثلما دخلها، تاركا ضيوفه وسط عرقهم وانتكاس رجولتهم وكرامتهم التي أهدرت، والصمت والذهول اللذين أطبقا عليهم، وقد أمِروا بعدم مغادرة القاعة.

ظل رؤساء العشائر في أماكنهم فترة فقدوا خلالها الإحساس بالزمن ضمن ما فقدوا من أشياء، قبل أن تدخل عليهم مجموعة من الرجال يحملون في أيديهم قصاصات وزعوها على الموجودين، طالبين منهم حفظها لإلقائها على مسامع الرئيس الذي سيعود إلى الاجتماع بهم بعد قليل. وما هي إلا دقائق حتى امتلأت القاعة بكاميرات التصوير الفوتوغرافية والتلفزيونية، ورجال الإعلام من صحافة وإذاعة وتلفزيون، ليدخل الرئيس في أثرهم، مبتسما هذه المرة.

رافعا يده محييا ضيوفه الذين ذكرت وسائل الإعلام فيما بعد أنهم جاؤوا يحملون إليه تحيات أهله وأحبته عشائر العراق العظيم، ويجددون له البيعة والولاء، مقسمين على فدائه بأرواحهم ودمائهم وأموالهم. تحدث الرئيس إلى الموجودين حديثا وديا ولطيفا هذه المرة، وتخللت الحديث فواصل من الهتافات والشعارات والقصائد التي تتغنى بحب القائد الملهم وقيادته التاريخية وانتصاراته العظيمة، تلك التي حفظها رؤساء العشائر من القصاصات التي وُزِّعت عليهم قبل دخول الرئيس.

وبعد أن انتهت المسرحية الهزلية التي سجلتها أجهزة إعلام النظام بالصوت والصورة، غادر الرئيس القاعة، وخرج في أثره رؤساء العشائر، وقبل أن يغادروا، تم تسليم كل واحد منهم ظرفا فيه 50 ألف دينار عراقي، أي ما يعادل 50 دولارا أميركيا وقتها، حيث كانت العملة العراقية قد وصلت أدنى مستوياتها، وكان يتم طباعة الملايين منها داخل العراق دون غطاء.

بهذا انتهت الحكاية التي رواها لي صديق عراقي غادر العراق منذ أكثر من ثلاثة عقود، نتيجة هذه الممارسات وأمثالها، نقلا عن ابن رئيس عشيرتهم الذي كان والده شاهدا عليها وأحد أطرافها. ويذكر ابن رئيس عشيرة صديقنا العراقي، أن والده عاد إلى بلدته مكسورا، وظل يجتر الإهانة التي تعرض لها حتى توفاه الله متأثرا بهذا الموقف الذي لم يكن يتصور أن يتعرض له، رغم كل ما يعرفه عن قسوة النظام ودمويته.

حدث هذا قبل عقدين من الزمان، في نظام جمهوري يصف نفسه بالتحرر والتقدمية، وينعت جيرانه بالتخلف والدكتاتورية، ويدعو إلى تغيير أنظمتهم واقتسام ثروتهم، بعد أن بدد ثروة بلده في مغامرات وحروب خاسرة.

واليوم كلما شاهدت رئيسا يخطب في جمع من ممثلي الشعب أو المواطنين، وسمعت هتافات الاستحسان والتأييد تقاطع خطابه، ورأيت ابتسامات الرئيس وعلامات السرور والرضى مرتسمة على وجهه، تساءلت: كيف يجرؤ هؤلاء على مقاطعة فخامة الرئيس وقطع تسلسل أفكاره؟! ثم تذكرت هذه الحكاية، فأيقنت أن بعض فصول التاريخ سلسلة متصلة من المهازل.