صيف هذا العام يختلف عن غيره من الأعوام السابقة. ففي أقل من ستة شهور سقطت أنظمة وثارت دول وتحركت شعوب. لكن الصيف هو نفس الصيف في معظم الدول العربية، بحرارته الشديدة في بعض المناطق وحرارته المعتدلة في مناطق أخرى.
وربما خفف وطأة الحر على مواطني مصر وتونس ليس كونهما تقعان على سواحل البحر المتوسط فحسب وإنما لانحسار الغيوم الكثيفة المتراكمة على البلدين منذ عقود من الزمن وتنفس الشعبان الهواء الطلق لأول مرة منذ منتصف القرن الماضي.
ولأن لكل ثورة ثمنا يجب أن يدفعه الثائرون في كل مكان، فمن الطبيعي أن يقدم المصريون والتونسيون تضحيات غالية للحصول على الهواء النقي. ومن هذه التضحيات التي يمكن تعويضها خسائر إيرادات قطاع السياحة في هذين البلدين. فالسياحة في مصر كانت تدر عليها أكثر من 10 مليارات دولار سنويا. وربما ربع هذا الرقم بالنسبة لتونس. فهذان البلدان يتمتعان بمقومات سياحية قل نظيرها في الدول العربية الأخرى، حيث تمتلك مصر وحدها ما يقرب من ثلثي الآثار التاريخية في العالم، ولديها أعظم مصدر من مصادر الجذب السياحي المتمثل في وجود واحدة من أهم وأغرب عجائب الدنيا السبع ألا وهي الأهرامات فيها إضافة إلى المتاحف التي تعج بالآثار الفرعونية التي ترجع لأكثر من ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد والتي يتهافت عليها العالم من كل حدب وصوب رغبة في مشاهدتها وملامستها والتعرف عليها عن قرب.
فجمهورية مصر العربية بمساحاتها الشاسعة من شمالها إلى جنوبها تشبه المتحف الطبيعي المعروض في الهواء الطلق. فأينما ذهبت اكتشفت أثرا قديما أو تاريخا عظيما. فمصر ليست فقط الأهرامات، فهناك أيضا النيل العظيم الذي استغل أفضل استغلال منذ بناء السد العالي. وأصبحت البواخر السياحية تمخر فيه ليل نهار من شماله إلى جنوبه. وهناك المصايف المتعددة المتطورة التي تقع على البحر الأحمر والبحر المتوسط. وأكثرها شهرة شرم الشيخ والغردقة والإسكندرية.
ومع التطور المدني الذي شهدته مصر بعد استقرار الأوضاع الاقتصادية خاصة بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل واستعادة سيناء وابتعاد شبح الحرب عنها، أصبحت السياحة في مصر تنافس السياحة في أوروبا بل حتى في شرق آسيا. وحاولت العديد من الجهات المشبوهة ستكشفها الأيام القريبة القادمة - ضرب السياحة في مصر من خلال التفجيرات التي شهدتها مناطق سياحية عدة في مصر إضافة إلى مهاجمة السائحين الأوروبيين، إلا أنها في النهاية وقفت في وجه هذه التحديات وتغلبت عليها. وعاد السائحون إليها وكأن شيئا لم يكن.
غير أن أمر السياحة أصبح متوقفا حتى إشعار آخر بعد أحداث ثورة يناير. فنسبة كبيرة من السائحين الأجانب ألغوا حجوزاتهم مع بدء الاضطرابات الشعبية هناك. ولأن السائح جبان كما يقال، فقد دفعت مصر ثمنا باهظا في مجال السياحة. فكل شيء تقريبا متوقف على السياحة في مصر. فهي ليست دولة نفطية وصناعية وزراعية مصدرة من الدرجة الأولى لمنتجاتها، واعتمادها الأعظم ما زال قائما على إيرادات السياحة، وحتى الغاز الذي أنعم الله به عليها تم بيعه بأسعار متدنية جدا عن سعره الحقيقي. ولذلك اعتمد المصري في كسب رزقه بشكل أساسي على السياحة وما تدره عليه، من فندقة بمختلف جوانبها ومواصلات بكافة أنواعها البرية والبحرية والجوية واتصالات ومرشدين سياحيين وتحف واستهلاكات أخرى.
غير أن هذا الضرر لن يطول كثيرا. فمن لم يزر مصر ومن زارها، أصبح متعطشا للذهاب إليها في أقرب فرصة قادمة. وحيث إن السياحة مرتبطة بشكل أساسي بالاستقرار الأمني، فإن المصريين قادرون على تجاوز هذه المرحلة وتحمل هذه الخسائر التي ستعوضها لهم الأيام القادمة. خاصة وأن نسبة كبيرة من إيرادات السياحة في مصر كان في زمن النظام السابق تتلاعب وتتحكم به فئة قليلة ذات نفوذ غير عابئة باستثماره من جديد في مجال تطوير السياحة.
اليوم هناك مساءلة ومحاكمة ومراقبة تطبق على الكبير قبل الصغير. وهذا سيدعم بلا شك قطاع السياحة في مصر من حيث الاستثمار الأمثل لمواردها الاقتصادية الأساسية. لذا يتوجب على جميع العرب أن لا يستهينوا بالمرحلة التي تمر فيها مصر وتونس هذه الأيام. وإنهم الداعم الأكبر لاستمرارية الإصلاح في هاتين الدولتين الإسلاميتين العربيتين ولتطورهما ولتأخذا مكانتهما الطبيعية بين دول العالم في كافة الميادين وليس فقط السياحية.
الجميع يتحدث عن تردده في الاتجاه نحو قضاء إجازته في مصر أو تونس. صحيح هناك بعض الصعوبات نتيجة الأحداث التي مرتا بها، غير أننا أيضا مسؤولون عن إزالة هذا الوهم لتشجيع الآخرين على الذهاب إليهم. هؤلاء قدموا دماءهم دون خوف وبكل كرم لتغيير أوضاعهم المتردية، ووقفنا نتابع أخبارهم عن بعد. من واجبنا اليوم وعلى أقل تقدير أن نذهب إليهم وندعم اقتصادهم ليكملوا مشاريعهم التنموية التي ستصب في صالح الأمة العربية ككل. فكل دولار يصب في خزينة مصر وتونس خير من ألف دولار يصب في خزائن الدول التي تساند إسرائيل في السراء والضراء. على العرب أن يساهموا في بناء مستقبل أجيالهم القادمة دون حدود جغرافية وهمية، لا أن يعلنوا بأن المشكلة ليست مشكلتهم. على كل فرد أن يتصور أنه مصري أو تونسي وأن له أقارب وأهل هناك، وعليه الوقوف معهم.
جامعة الإمارات