مضى نصف عام على بزوغ نجم الثورات العربية كواقع عملي سالت على ولادته الدماء العربية الطاهرة التي تقف حجر عثرة في وجه الطغيان الذي لا يقره دين ولا يقبله عقل، فنقول في وجوه الديكتاتوريات التي تحكم الجمهوريات والتي سالت فيها الدماء الغالية لتطهر تلك الأراضي، لقد استبدت تلك الأنظمة فملكت الأرض ومن عليها وداست على رؤوس العباد وجعلتهم جياعا ضياعا في عزبة النبلاء الكبيرة التي يملكها الكبير ويديرها أبناؤه وزوجته وأقاربهم، ويسير أعمالها الوزراء والتجار الذين يبيعون ويشترون كل شيء بدون أدنى ذمة أو ضمير، ويحلل كل ذلك لهم مجالس الشعب التي تطوع الدستور والقانون حسبما تريد تلك الزمر الطاغية. وهنا جاءت اللحظة التي نقر فيها بأن أمر الله نافذ، فإنه تعالى يمهل ولا يهمل، ثم إنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
ساد الفساد واستشرى في ربوع تلك الأنظمة الهشة التي أرهبت شعوبها، وصادرت الفكر، وقتلت الإبداع، وتفننت في تزييف الواقع، وتشدقت بالديمقراطية والنجاحات ورفاهية الشعوب. ولقد استكانت الشعوب من خوفها وحفاظا على استمرار حياتها، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يستمر الخنوع، وأن يزداد الطغيان لتتأكد الآية الكريمة (ويمدهم في طغيانهم يعمهون). العمى في البصر والبصيرة ليبلغ الهدف (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) بعد أن (ران على قلوبهم) فلقد صدئت القلوب والعقول، وتمادى الظالمون في ظلمهم، وتفننوا في ابتكار أبشع أنواع التعذيب والقهر، وخرجت بعض الاعتراضات المتفرقة، وامتلأت السجون والمعتقلات، فكل تلك الجمهوريات مستمرة بتطبيق قوانين الطوارئ التي طبقت طيلة عقود الظلام، وتكلمت تقارير المنظمات التي تعنى بحقوق الإنسان، وجندت سلطات الظالمين من ينبح عن الحقائق بكلام معسول، ويغطي شمس الحقيقة بأوهام اللئام وتمثيليات هزلية، لكن المحاولات تفضحها الحقائق على أرض الواقع.
أمريكا كعادتها لا تنحاز إلا للأقوى والأبقى الذي هو خاضع لها، ينفذ أوامرها ويحمي بنتها اللقيطة، فمن يعتقد أو يصدق أن أميركا هي التي أنجبت أو حتى فكرت في ميلاد الثورات العربية فهو بلا عقل ولا يرى أبعد عن قدميه. عودوا بنا إلى بداية الثورة في تونس وتذكروا كيف كان موقف أميركا من ثورة الياسمين، ثم قفوا بنا عند ثورة 25 يناير عندما كان الثوار بميدان التحرير وتذكروا جيدا كيف نظرت أميركا لثورة الحرية والكرامة، واسترجعوا الماضي القريب وكيف شددت أميركا على بقاء النظام الحاكم هناك، بل وذهبت إلى أبعد من ذلك بمجاهرتها بالمساندة. أميركا بعد ذلك ترنحت بأقوالها، بل ورددت ما تقوله بنتها اللقيطة، فكان كل هم أميركا وإسرائيل أن تحافظ مصر على معاهدة السلام.
كان ساسة أميركا يريدون أن يبقى حليفهم الأول في السلطة مع زمرته الطاغية. نعم كانت تصريحات مسؤولي البيت الأبيض، وعلى رأسهم أوباما متضاربة، لكنها متفقة على دعم رأس النظام إلى أن بلغ السيل الزبا، فتحولت السياسة الأميركية إلى دعم الأقوى لتتودد إليه وتقول للحبيب السابق أترك السلطة فورا. هنا تبرز حقيقة السياسة الأميركية بأنها لم تكن مع قيام الثورات العربية ولا ترغب فيها، لكنها عندما أصبح الواقع الجديد يفرض نفسه تحولت لتحمي مصالحها وتفوز بأكبر قدر من الكعكة. هكذا هي أميركا دائما تتخلى عن حلفائها من الأباطرة والملوك والرؤساء والحكام لأن مصلحة أميركا فوق مصلحة الأشخاص. هذا الواقع يؤكد بالدليل القاطع أن أميركا لا فضل لها في قيام الثورات العربية والفضل كله لله سبحانه وتعالى الذي كشف الغمة، وأنار قلوب الشعوب العربية التي عانت منذ عهود طويلة.
يؤكد هذا الواقع الذي ما زلنا نعيشه مع ثورة الأحرار في ليبيا وكيف تعاملت أميركا معهم، ومازالت لم تعترف اعترافا رسميا بشرعية المجلس الوطني الانتقالي رغم تعاملها معه، وتؤكد ذلك في تعاملها مع ثورة أهل اليمن، ويتأكد ما نقوله كذلك من موقف أميركا مما يجرى في سورية. ونتذكر ونذكر أن أميركا عندما غزت العراق لم تكترث بأخذ موافقة الأمم المتحدة ومجلس أمنها. هكذا نجزم بأن أمريكا وغيرها من الدول في العالم الغربي لم يصنعوا هذه الثورات رغم وقوفهم معها ومساندتها بعد أن قامت. وهذا سلوك جيد، في ظاهره الرحمة وفي باطنه العذاب، ولكن لا بد من التعاطي معه لأن قبلة العرب أميركا وإن أصبحت أوروبا قبلة بديلة أو منافسة تؤم السائلين وتمدهم الدعم. ولأن أميركا وأوروبا لهم حساباتهم الخاصة طويلة الأمد ولأن مصالحهم فوق كل الاعتبارات وليس للإنسانيات دور أو محل في حساباتهم، وإلا لتحررت فلسطين منذ أمد بعيد.
ونعود إلى بداية الطرح لنؤكد أن الشعوب العربية هي التي أرادت أن تتنفس هواء الحرية بطلوع شمس النهار في كل عاصمة من عواصم الجمهوريات الثائرة. ونستعير كلمات أبى القاسم الشابي:
إذا الشـعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بـــد لليــــل أن ينجلي ولا بـــد للقيد أن ينكســـر
فقد نفذ قدر الله تعالى عندما أمهل ولم يهمل، وعندما جعل الشعوب تغير ما بنفوسها فاستجاب لهم ربهم وأمدهم بقوة الإيمان، والعزيمة الصلبة التي قتلت الخوف في عقولهم وبددت ظلام الجبروت، وأنارت النفوس بنور الله، لأن الحق يحتاج إلى قوة الإيمان التي تحكم صدور الناس فتكسر القيود التي طوقت الأعناق عقودا طويلة من الزمن، لكنها انكسرت وبزغ نور الصباح الجميل مناديا: الشعب يريد الديمقراطية.
كاتب إماراتي