وحدها وفاة رئيس المحكمة الدستورية في البحرين المرحوم إبراهيم حميدان، ستطرق رؤوسنا بقوة مثل مطرقة خرافية، لتعيد تذكيرنا بنوع من الشخصيات العامة النادرة. نوع نحتاجه بشدة، بل لربما تأخذنا وفاة هذا الرجل أبعد قليلًا.

قضى حميدان خريج الحقوق الذي توفي الأحد 19 يونيو، قرابة 50 عاما في الحياة العامة، لكن لمن يريد البحث عن سيرة ما، لن يجد تصريحا صحافيا واحدا من أي نوع لهذا الرجل، أو مقابلة أو حتى خبرا مقتضبا منقولا عنه.. فما الذي يمكن أن يعنيه هذا؟

من الادعاء العام (يوم أن كان يتبع وزارة الداخلية)، إلى وزارة العمل (السبعينات)، ثم المواصلات (الثمانينات)، ومنها إلى رئاسة مجلس الشورى (التسعينات)، وتاليا رئيسا للمحكمة الدستورية (2004)، مسيرة طويلة امتدت حوالي نصف قرن، لكن حميدان إن كان قد أجاد أمراً في حياته، وهو إلى أمور أخرى: الصمت.

وخلف صمت إبراهيم حميدان، كان يكمن إنسان من نوع آخر، نادر هذه الأيام. ففي ثمانينات القرن الماضي التي شهدت ذروة الاستحواذ المرضي لهوس العلاقات العامة، كان المسؤولون من كل المستويات يملأون الصحف بالتصريحات والضجيج والوعود، عدا حميدان. مناسبة وحيدة كان يطل فيها على الجمهور خلال عام كامل، هي إعلان النتائج المالية لشركة البحرين للاتصالات السلكية واللاسلكية (بتلكو)، باعتباره رئيس مجلس إدارتها بحكم منصبه وزيرا للمواصلات. كانت الإطلالة ببيان صحافي مقتضب، يرسل إلى الصحف ووسائل الإعلام في صيغة لم تتغير طيلة سنوات، ومكونة من فقرتين فقط لا غير. وكان هذا الاقتضاب تعبيرا لا يرقى بأي حال، إلى ما بلغته أسطورة النمو المطرد التي كانت تحققها الشركة في ذلك الوقت، باعتبارها واحدة من أيقونات اقتصاد البحرين.

وكانت تلك الإطلالة اليتيمة إحدى نوادر النادي الضيق للصحافيين البحرينيين المعدودين في تلك السنوات، كان الصحافيون يتساءلون بشيء من الحنق: لماذا لا يعطي إبراهيم حميدان أية مقابلات أو تصريحات؟ لماذا لا يقابل الصحافيين؟ لماذا لا يعقد مؤتمرا صحافيا على الأقل بمناسبة إعلان نتائج شركة بتلكو؟

طيلة سنوات وعقود لم يعط إبراهيم حميدان تصريحا صحافيا واحدا، وهو الذي كان يرأس واحدة من الشركات الخمس الكبرى التي تعد روافع للاقتصاد البحريني. وبقدر ما كان ذلك الصمت مغيظا للصحافيين المدفوعين دوما بهاجس استنطاق المسؤولين (باعتبارهم من يملك الأجوبة النهائية لكل الشكاوى وأوجه العطب)، فلسوف ندرك في ما بعد أن صمت حميدان كان الدليل الأهم للخصال النادرة (المفتقدة بشدة الآن) لرجل الخدمة العامة. النوع النادر الذي يقدم معادلة النجاح المناقضة للمعادلة الرائجة هذه الأيام. ففيما تقوم معادلة النجاح الرائجة على الظهور الإعلامي فحسب، مع تفاوت في درجة الإنجاز ونسبية الحكم عليها، كان صمت حميدان تعبيرا واضحا عن المفهوم الحقيقي للإنجاز: العمل بصمت وبجد، ومن دون ضجيج أو أضواء.

لكن هذا الزهد المقصود والتعفف عن الظهور الإعلامي إلى حد التغييب، يعكس خصالاً شخصية تتسم أول ما تتسم بالتواضع. الخصلة المفقودة التي ستدفعنا وفاة حميدان بشكل مؤكد، لتذكر كل أولئك الساعين للمناصب الذين لا يملكون من دوافع في سعيهم المحموم سوى جوع شديد للترقي الاجتماعي. أولئك الذين يعتقدون أن المنصب هو ما يضفي وجاهة وقيمة على الشخص، وليس العكس، الشخص هو الذي يعطي للمنصب هيبته وقيمته.

فعلى مدى عقود، لم أشاهد صورة لإبراهيم حميدان وهو يبتسم للكاميرا في مناسبة اجتماعية منشورة في مجلة ناعمة ملونة ذات ورق صقيل، تماما مثلما أن ذاكرتنا الجماعية لا تعي أن أحدا قد شاهده يقود سيارة فارهة. بل وعلى مدى عقود أربعة، كان الرجل غائبا تماما عن ألسنة الناس بشكل غير طبيعي، وعن ذاكرتهم وكأنه ظاهرة محيرة.

لقد كان ظاهرة على نحو ما، تجمع فصيلة نادرة من الناس في طريقها للانقراض أمام اكتساح التفاهة والأنانية لكل ميادين العمل العام.

الآن، مع وفاة إبراهيم حميدان فقط، أتذكر حتما تلك الثقافة الرائجة التي تعلي من قيمة الاستنفاع والاستزلام لصالح الأهل والأقارب، أتذكر كيف أن إبراهيم حميدان رفض أن يتوسط لصالح قريب له من أصدقائنا، بقي عاطلا عن العمل لسنوات. لقد طرق بابه عندما كان وزيرا للمواصلات، فرفض بشكل قاطع أن يتوسط له. أتذكر هذا مقابل عشرات القصص النقيض، لوزراء ومسؤولين آخرين قدموا لنا على الدوام استعراضات متواصلة من استعراضات ثقافة الاستنفاع في سلوك عام بات شائعاً في مجتمعات ودول عدة لا حصر لها.

هذا الذي أتحدث عنه، لا أعرفه شخصيا ولم ألتق به وجها لوجه سوى مرة واحدة، في دعوة غداء كان لي شرف أن أصافحه وأحييه.. وعندما أترحم عليه الآن، فأنا أترحم على واحد من الرجال المحترمين في البحرين، كمن يترحم على مرحلة مضت بكل رجالاتها وقيمها التي نفتقدها بشدة اليوم.