ربما كانت مشكلة ذلك الشاب "الطائش"، الذي حاول أن يصنع من نفسه "مجرماً خطيراً" في عالمه الافتراضي وراء "الكيبورد" فيقتل ويعذب ويتحدى أمن المجتمع؛ نقول ربما كانت هذه القصة سخيفة بسيطة، لولا أنها تناولت أعز مرتكز إنساني يقوم عليه المجتمع، ألا وهو الأمن، في مجتمع مثل مجتمعنا يعج بالجنسيات المتنوعة الكثيرة، وتنتشر بين أيدي أبنائه أحدث وسائل الاتصال لتجعل من كل شخص وكالة أنباء، ويمهد أحياناً لانتشار الإشاعات في حالة قلة الوعي لدى البعض. مسألة الأمن التي لا نزال نراهن على أنها أجلى صفات مجتمع الإمارات، على الرغم من حداثة تكوينه ونشأته وكثرة ضيوفه، ستظل بإذن الله أوضح سمات هذه الدولة، بجهود أبنائها والغيورين على استقرارها ورفعتها.
وقضية "دنجور" الخطير الصغير، أثارت الكثير من الوقفات التي تتعلق من قريب بهذه المسألة، لعل أهمها على الإطلاق سرعة استجابة الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، لمناشدات الأهالي والشباب من مستخدمي الأندية الاجتماعية الإلكترونية وهواتف الـ"بلاك بيري"، لتخليصهم من زعيم العصابة الوهمي الواهم، وهو ما تم بالفعل في غضون ساعات، وهو مؤشر واضح على اقتراب رعاة الأمن في الدولة من هموم الناس ويومياتهم، وحرصهم ساعة بساعة على أن يحيا جميع أبناء الوطن والمقيمين على أرضه بأعلى درجات الاستقرار، ليحقق المجتمع بجميع أفراده، أهدافه التي يصبو إليها في بيئة آمنة تشجع على العمل والعطاء.
وما يتصل بهذا الشأن هو الحس الأمني العالي الذي يتمتع به مجتمع الإمارات، ففي مثل هذه القضايا وفي حال غياب الوعي الجماهيري، تكون هذه المسألة مادة طيارة للإشاعات التي تنفخ فيها لتجعل من المراهق العابث زعيم مافيا وتحاك حوله الأساطير، حتى يصاب المجتمع بوهم الخوف وعدم الأمان، إلا أن الوعي كان كفيلاً بتوجه الناس والأهالي فوراً إلى وزارة الداخلية، لأنها الجهة القادرة على إيقاف مدّ مثل هذه الإشاعات، وهذا الوعي كان بلا شك ثمرة ثقة متجذرة وعلاقة تكاملية، استطاعت أن تبثها أجهزة الأمن في نفوس المجتمع ليكون الأمن حقيقة في خدمة الناس.
والنقطة المهمة في موضوعنا تتصل بأبناء الجاليات الضيوف على مجتمعنا وواجبهم الاجتماعي، فنحن نعلم بأنهم جميعاً حريصون على استقرار البلد الذي يأكلون من خيره وينعمون بدفء الأمن والأمان والاستقرار فيه، ويحققون على ترابه الكثير من أهدافهم التي عزّ تحقيقها في أوطانهم، والواقع يشهد أن هذا الوطن لم يبخل على أحد بإتاحة سبل الحياة الرغيدة له، وقد هيأ لجميع من تنسم هواءه وعاش على ترابه، الكثير من الخدمات الحضارية والتسهيلات الحياتية التي كانوا يتمنونها في بلدانهم ولو بالحد الأدنى، وتمكن العديد من رؤية أحلامه في بلاده واقعاً منظوراً، وهو عطاء يترجم الارتقاء الحضاري الذي تسعى إليه الدولة، ولا شك أن حضور الكثيرين لطلب العيش الرغيد في الوطن يبرهن على هذه الحقيقة ولا مانع في ذلك، لأنها سنة الحياة في البحث عن الرزق ولا عيب في ذلك.
كما نعلم في المقابل أن جميع أبناء الإمارات يحملون للوافدين الاحترام، ما دام الجميع يحمل شعار العمل والعطاء والوفاء للوطن وحماية مكتسباته.. ونقول لنا وللوافدين؛ إن هذا البلد الذي فتح قلبه قبل أبوابه للجميع، يستحق منا حرصاً كبيراً في الحفاظ على كل ذرة من أمنه واستقراره، وأن الشاب الذي يجد نفسه في نعيم الراحة واليسر والأمان، جدير به أن يستغلها أحسن استغلال فيزيد من رصيده العلمي المعرفي ويستفيد من عطاءات الحاضر لصناعة المستقبل، لا أن يكون الحاضر لهواً وعبثاً ويؤول المستقبل إلى الجلوس وراء القضبان!
والأمن مسؤولية اجتماعية تنسحب على الجميع، ولا تقتصر على جهة معينة، مع ثقتنا بكفاءتها وجدارتها، إلا أنه أيضاً واجب يقوم به الجميع، ولا شك أن الشباب حين يجدون أنفسهم محاطين بالمسؤولية الخاصة والمجتمعية، يساهمون بشكل عملي في استقرار الوطن، لكنهم حين يرون أن الفراغ والبطالة يأكلان أعصابهم ويستنزفان تفكيرهم، سيلجأون إلى طرق الأخطاء التي تبدأ شخصية لتنتهي إلى الإساءة المجتمعية. فحريٌّ أولاً بالأسر أن تجنب أبناءها مصيدة الفراغ الطويل وتوجيهها إلى النشاطات على اختلافها، والأندية الرياضية والثقافية والعلمية تملأ الدولة، وترحب بالجميع من دون تمييز، كما أن من الواجب تكثيف حملات التوعية للشباب والاستفادة من طاقاتهم ليكونوا أدوات بناء لا معاول هدم، وإذا تاه الشباب ضل المستقبل، والفرصة لا تأتي مرتين، وما تجده الأسر من أبناء الوطن والضيوف الوافدين، من الرخاء في شتى مناحي الحياة، ربما يتمنى الكثيرون جزءاً منه، ومن لا يعتبر بغيره كان عبرة لغيره.