قال الرئيس الأميركي باراك أوباما، مؤخراً: "إنني أشعر بالقلق من حقيقة أن الانتعاش الذي نعيشه لا ينتج وظائف بالسرعة التي نريدها". فهل هذا يعني أننا على وشك أن نرى رزمة من الأفكار الجريئة، يطرحها البيت الأبيض لحفز نمو الوظائف والأجور؟ للأسف، لا يبدو أن الأمر كذلك.
يقول الرئيس الأميركي إنه مهتم بالعمل مع الجمهوريين، لتمديد بعض التدابير التي كانت جزءاً من حزمة خفض الضرائب في العام الماضي "للتأكد من أننا نحقق انتعاشاً ونديره بطريقة قوية". وعليه، فإن البيت الأبيض يدرس خفضاً مؤقتاً في الضرائب المفروضة على الرواتب التي تدفعها الشركات على الأجور، ويعتقد مستشارو البيت الأبيض بأن ذلك ربما يروق للمشرعين الجمهوريين الذين يناقشون الفكرة نفسها. وهناك أفكار أخرى قيد النظر في البيت الأبيض، وتشمل خفض الضرائب على الشركات، يرافقه إغلاق بعض الثغرات الضريبية للشركات.
هل يمكن أن نكون واقعيين للحظة واحدة؟ فالشركات ليست بحاجة إلى المزيد من الحوافز المالية، فلديها بالفعل كنز من السيولة يقدر بـ9.1 تريليونات دولار. علاوة على ذلك، لا تجد الشركات كبيرة الحجم والمتوسطة صعوبة في الحصول على قروض بأدنى معدلات للمساومة، مجاملة من الاحتياطي الفيدرالي. ونتيجة لذلك فإن الشركات تنفق بالفعل أكبر إنفاق يمكنها تبريره من الناحية الاقتصادية. فقد تحقق ثلثا النمو الضعيف في الاقتصاد حتى الآن، خلال هذا العام، من شركات تعيد بناء مخزوناتها. ولكن من دون إنفاق المزيد من جانب المستهلكين، فإن الشركات لن تنفق أكثر من ذلك. لا يمكن لأي اقتصاد قوي أن يقوم على عمليات استبدال المخزون.
المشكلة ليست من ناحية العرض، وإنما هي من ناحية الطلب. فالشركات مترددة في إنفاق المزيد وتوفير المزيد من فرص العمل، لأنه لا يوجد ما يكفي من المستهلكين القادرين والمستعدين لشراء ما لدى الشركات لتبيعه. والسبب هو أن رواتب المستهلكين آخذة في الانخفاض، بعد احتساب نسبة التضخم، وفقدان الوظائف آخذ في التزايد. وبالنسبة لـ83 ألف وظيفة جديدة التي وفرها القطاع الخاص في مايو الماضي، فهي في الواقع خسارة لأن هناك حاجة إلى 125 وظيفة لمواكبة النمو السكاني. وقد ارتفع عدد الأميركيين الذين تقدموا، مؤخراً، بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة.
في الوقت نفسه، فإن العديد من الأميركيين ما زالوا متخلفين عن دفع أقساط الرهن العقاري. وتواصل أسعار المساكن الانخفاض، ما يجعل أصحاب المنازل يشعرون بأنهم أكثر فقراً. وما يقرب من 60% من الانخفاض في ديون أصحاب المنازل في الولايات المتحدة، التي تبلغ قيمتها نصف تريليون دولار منذ تعمق الركود، عبارة عن حالات تعسر وليست سداداً. وهذا ما يجعل من الصعب بالنسبة للأشخاص الذين يرغبون في دخول سوق الإسكان، الحصول على قروض الرهن العقاري الجديدة، أو بالنسبة لأي شخص لإعادة تمويلها.
كل هذا يترجم إلى استمرار الأزمة في جانب الطلب، ولا يمكن للمستهلكين ولن يستطيعوا شراء المزيد. وخلال الفترة بين شهري يناير ومارس الماضيين، زادت المبيعات بنسبة 15.0% فقط في أنحاء أميركا، واقتربت بصورة خطيرة من عدم تحقيق نمو على الإطلاق. وتبدو مبيعات شهر مايو أسوأ، وتسجل متاجر أضعف مستوى مبيعات، وانخفضت ثقة المستهلكين بشكل حاد.
فكيف يتم استعادة الوظائف إذن؟ من خلال إعادة حفز الطلب. فلنضع المزيد من المال بين يدي المستهلكين، ونساعدهم على إعادة التفاوض على قروض الرهن العقاري الخاصة بهم. وليتم إعفاء الـ20 ألف دولار الأولى من الدخل، من الضرائب المفروضة على الرواتب، ولتتم إعادة تشكيل لجنة خاصة بالعاطلين عن العمل على المدى الطويل، ولنسمح لأصحاب المنازل المنكوبين بإعلان إفلاسهم الشخصي على أماكن إقامتهم الأساسية، حتى يتمكنوا من إعادة تنظيم قروض الرهن العقاري.
لكننا لا نسمع أي حلول بشأن الطلب من جانب البيت الأبيض. وعلى العكس من ذلك، فإن أوباما يطرح أفكار الجمهوريين الخاصة بالعرض، والمتعلقة بخفض تكاليف صاحب العمل الخاصة بالتوظيف، وخفض ضرائب الشركات التي ليست لها علاقة بأزمة الطلب. وربما يجذب أصواتاً كافية للجمهوريين لكي يتم سنّ هذه الأفكار، ولكن ما هو المغزى لو أنها لا صلة لها بالمشكلة الحقيقية؟
إن تبني الرئيس للفكرة الخاطئة، التي تفترض أن الشركات بحاجة للمزيد من الحوافز المالية من أجل التوظيف، تخاطر أيضاً بإضفاء الشرعية على الحلول الأخرى الزائفة، التي طرحها الجمهوريون والمتعلقة بالعرض. فالجمهوريون في مجلس النواب والطامحون من الحزب الجمهوري نحو الرئاسة، ينادون بخفض الضرائب على الشركات وعلى الأغنياء. ويتعين على الرئيس أوباما طرح أفكار من شأنها أن تؤتي ثمارها، ومن ثم خوض المعركة من أجلها.
إن اقتصاديات جانب العرض ليست لها جدوى، فقد تمت تجربتها على امتداد 30 عاماً، ولكن دون جدوى. وعندما يتم دفع أزمتنا الاقتصادية المستمرة بشكل ملموس، بسبب الطلب غير الكافي، فإنها تعتبر وهمية أكثر من أي وقت مضى.. وآخر شيء نحتاجه، هو أن يمضي الرئيس أوباما إلى جانب العرض.