المتابع لما يجري في العالم الثالث، ومنه الدول العربية بشكل عام، يلاحظ أن العملية التراكمية، سواء في المجال الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي، تكاد تكون معدومة، مما يعني أن كل من يحتل منصباً في أي موقع في أعلى السلم الإداري أو في الوسط أو أدناه، يكون همه الأول والأخير أن يجلب إلى جواره كل من يعتبره الأقرب.
ولذلك لا توجد خطط سنوية أو خمسية أو حتى عشرينية يتم تطبيقها، وتصبح العملية وكأنها صراع على المكاسب الذاتية، أما المصلحة العامة فهي تأتي في النهاية.
ولعل هذه الحالة تزيد من حالات الإحباط وعدم المبالاة لدى الأغلبية، ويصبح الإنسان مثل حبة المسبحة، حين تتساقط حباتها لحظة انقطاع الخيط الواصل بين الجميع.
الساحة السياسية في الوطن العربي شهدت هزات شعبية قوية، ففي مصر لم يكن من المتوقع انهيار النظام السابق بهذه السرعة، وبتلك الطريقة، حيث أركان الدولة متوفرة، سواء من الجوانب الأمنية أو الاجتماعية ـ إلى حد ما ـ والعلاقات الخارجية المتينة والخاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، إضافة إلى أن النظام جعل الإنسان المصري ينشغل بقضايا المعيشة والاستقرار، والبحث عن وسيلة عمل، والسعي للهجرة.
حيث تؤكد الإحصائيات الدولية وجود الكثير من العناصر المصرية خارج الوطن، لكن بقيت فئات من الشعب المصري ممن كانوا ولا يزالون يؤمنون بأن التغيير هو سنة الحياة، وما يجمع أؤلئك جميعا هو الوعي بأن كل مقومات التنمية متوفرة في مصر؛ العنصر البشري، العنصر المادي، والعنصر المعنوي، ولكن وجود قطط سمان يحول دون توزيع عادل للحياة الكريمة.
من ميدان التحرير، جاءت الشرارة الأولى لتحرير الإنسان المصري من الخوف، وللعودة إلى دور مصر الطليعي في تعزيز كرامة الإنسان والتضحية من أجل الآخر.
أما المحطة الثانية فكانت في ليبيا، تلك الدولة التي لا يختلف مدخولها المالي من عائدات النفط في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن المقارنة بين ما أنجز هناك وفي دول الخليج، تؤكد أن المحافظة على السلطة لا بد أن تؤكد على المشاركة ـ ولو بشكل نسبي ـ في الثروة.
وإعطاء الإنسان حقوقه في العيش بشكل يحفظ كرامته وإنسانيته، فهو صمام الأمان للجميع. لقد اعتقدت السلطة السياسية الحاكمة في ليبيا أن الشعارات البراقة، والقيود والأغلال، هي التي ستؤدي إلى استمرارها غير المحدد، وأن أحفاد عمر المختار غير قادرين على الحركة وتحدى تلك السلطة التي لم تحترم الإنسان.
. ولم تدرك السلطة أن دورها قد انتهى، كما كان الحال بالرئيس صدام حسين من العراق، وغيره في أمريكا اللاتينية وآسيا.. والحبل على الجرار. بل كان السائد أن براميل النفط الليبي ستكون لهم الحصن المنيع، أو السور الواقي مثل سور الصين العظيم.. لكن كانت تلك أحلام العصافير في مواجهة العاصفة.
أما المحطة الثالثة فكانت الجمهورية العربية السورية، والتي استخدمت السلطة فيها كل الوسائل السياسية والاقتصادية والأمنية للمحافظة على استقرار النظام.
ولم تتعلم من درس الإنذار الأول الذي جاء بإخراجها من الجمهورية اللبنانية، ونسيت أو تناست اغتيال كمال جنبلاط، ذلك الإنسان الوطني المخلص للعروبة والوطن العربي، إلا أن التاريخ لا يرحم من يخطئ في حقه وحق أمته.
ومن المؤكد أن تلك الدوائر الثلاث، وهي قريبة من الثالوث المحرم، هي مناطق لا تحتمل العبث أو التلاعب بها، فهي كمثلث برمودا، لا يرحم من يقترب منه، بل يصبح جزءاً من الماضي الأليم لأصحابه.
كما أن مرحلة الحرب الباردة قد انتهت، وبالتالي فإن أدوات وأساليب جديدة قد برزت على سطح العلاقات الدولية، تتطلب العودة إلى الشرعية الشعبية، وتلاحم الجبهة الداخلية، وإلا فإن الطوفان قادم وهو يحطم كل من يقف أمامه.
إن الإنسان العربي يدرك تماماً، أن هناك فجوة حقيقية بين ما يبث في الأعلام، وما هو واقعي وملموس، حيث إن ثورة الاتصالات الحديثة وقدرة الإعلام على الوصول إلى أبعد النقاط، أنهت فترة الستار الحديدي حول التواصل بين الشعوب.
ولم تعد للرقابة قوة تحمى بها الأنظمة الاستبدادية نظمها، وانكسر القيد الذي لازم أعناق الناس في الفترة الماضية، كما يدرك أن التطور لا الثورة هو مفتاح الاستقرار والتقدم، وعدا ذلك فهو ظلام دامس.
إن الفجر الجديد قد أعاد النور لكل من كان يعاني من العمى وعدم الرؤية. وتبقى مهمة القوى الجديدة أن تتعلم من أخطاء من سيقودها، وأن يبدأ مشوار الألف ميل بخطوة.. نحو الحرية والكرامة والعيش كبشر.