مع اقتراب الموعد المحدد لأول انتخابات برلمانية بعد الثورة في مصر، والمقرر إجراؤها في سبتمبر القادم يزداد الموقف تعقيداً، وتزداد القوى السياسية انقساما، وتبدو كل محاولات التوفيق بين الآراء المتعارضة وكأنها تسير نحو حائط مسدود، ويصبح السير في السيناريو الذي سبق إعداده للمرحلة الانتقالية محل شك، وتبدو المراجعة من كل الأطراف ضرورية.

 

في الأسبوع الماضي التقى ممثلو 12حزباً رئيسياً في مقر حزب الوفد مع ممثلي الإخوان المسلمين، وقيل إنهم اتفقوا من ناحية المبدأ على خوض الانتخابات البرلمانية القادمة في قائمة موحدة.

 

ثم خرج كل فصيل يعلن تبرؤه من ذلك، ويقول إنهم تشاوروا فقط ولم يتفقوا على شيء، وبعد أن ثبت أن الانقسامات داخل كل حزب حول هذه الخطوة أكبر مما هو متصور، وان الشك كبير في نجاحها أو في التزام الأطراف بها.

 

المهم أن الحديث عن الانتخابات القادمة يجري بينما القانون الذي ينظم هذه الانتخابات لم يصدر حتى الآن وقبل أقل من ثلاثة شهور على هذه الانتخابات، والمشروع الذي طرحه المجلس الأعلى للقوات المسلحة بهذا الشأن.

 

والذي ينص على أن يكون ثلث المقاعد بالقوائم النسبية والثلثان بالانتخاب الفردي..هذا المشروع مازال محل اعتراض الكثير من الأحزاب والقوى السياسية، ولا أحد يعرف ـ بالتالي ـ كيف ستتم الانتخابات؟ وكيف تستعد الأحزاب لانتخابات بعد شهرين لا تعرف قواعدها حتى الآن؟،

 

والأهم هو هذا الانقسام الكبير بين كل القوى السياسية من جانب وهي التي تطالب بتأجيل الانتخابات ووضع الدستور أولا، وبين جماعة الإخوان المسلمين وبعض الاتجاهات السلفية التي ترفض ذلك تماماً وتتمسك بإجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها وفقاً للإعلان الدستوري الذي أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومازال يؤكد التزامه به.

 

الجديد هنا ان رئيس الحكومة عصام شرف أعلن الاسبوع الماضي مرة أخرى ان يرى تأجيل الانتخابات البرلمانية، وأن نائبه الدكتور يحيى الجمل قاد حواراً وطنياً (قاطعه الإخوان المسلمون) وانتهى بطلب إعداد الدستور أولا حتى لا تنفرد أي قوة تملك أغلبية في البرلمان القادم بفرض ما تراه في الدستور القادم، .

 

ثم عاد الدكتور الجمل ليؤكد ــ في تصريحات صحفية هامة ــــ أن الجيش ينبغي أن يبقى في الحكم لعام آخر حتى يمكن إنهاء مهام المرحلة الانتقالية بالصورة المطلوبة للحفاظ على الثورة وتحديد ملامح النظام الجديد واستعادة الأمن والاستقرار وتوفير الظروف الملائمة لبناء ديمقراطية على أسس سليمة تحمي الدولة المدنية من أخطار عديدة ظهرت على الساحة.

 

هل يعكس هذا خلافاً في الرؤى بين الحكومة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي مازال يصر على السيناريو الذي أعلنه والذي يتضمن انتخابات برلمانية في سبتمبر وانتخابات رئاسية مع نهاية العام وعودة للثكنات بعد ذلك؟..

 

أم أن في الأمر اتجاه لإعادة النظر في هذا السيناريو وإنقاذ البلاد من ازمة لم يكن لها مبرر لولا تعجل القيادة العسكرية في إنهاء مهمتها السياسية المؤقته دون حساب للمخاطر؟!

 

كانت القيادة العسكرية من البداية راغبة في إنهاء مهمتها في أسرع وقت، وكانت غير مستعدة للظروف الصعبة التي وجدت نفسها فيها، ولم تكن بالطبع تملك الخبرة السياسية للتعامل مع تعقيدات الموقف.

 

. وكانت تدرك مخاطر البقاء لمدة أطول في بحور السياسة خاصة اذا كان قرارها الأساسي هو العودة للثكنات بعد الفترة الانتقالية، وكانت تريد أن تظل فوق الصراعات الحزبية كما كانت.

 

ومن هنا كان قرارها بالعودة للثكنات بعد ستة شهور من الثورة، وهو أمر كان من البداية في حكم المستحيل في ظل أوضاع أمنية تركها النظام السابق بدون جهاز شرطة تقريباً، ومع آلاف المسجونين الهاربين من سجونهم، وترسانة أسلحة تمت سرقتها.

 

. وفي ظل أوضاع كانت فيها فلول النظام مازالت تأمل في استعادة مواقعها، وفي ظل خروج تيارات متطرفة تهدد بإشعال الفتنة الطائفية.

 

وحتى مع مد الفترة الانتقالية ثلاثة شهور أخرى، فإن التعجل أدى إلى أخطاء، بدلاً من إعطاء الفرصة لالتقاط الأنفاس واستعادة الأمن وفرض سيطرة الدولة وإطلاق الحوار بين القوى السياسية حول ملامح المستقبل وخطوات الطريق، دخلت البلاد على الفور في مناخ ساخن بعد الإعلان ان الانتخابات البرلمانية ستتم بعد شهرين أو ثلاثة، ليبدأ الصراع والانقسام بين قوى الثورة مبكراً وقبل الاتفاق على الأساسيات التي تحكم المرحلة القادمة.

 

ومع خروج جماعات متشددة تتحدث باسم الدين للعمل السياسي العلني بطريقتها المستفزة، ومع ممارساتها التي أساءت حتى للتيارات الإسلامية المعتدلة، ومع اشتعال نيران الفتنة الطائفية، .

 

ومع دخول هذه الجماعات في سباق إعلامي تتبارى فيه في التشدد وإثارة المخاوف لدى الرأي العام كان لابد من ردود فعل لدى القوى السياسية الأخرى والى تساؤلات حول مواقف للسلطات الحاكمة تم تفسيرها على أنها تصب في مصلحة التيارات الدينية، والتي كان آخرها وأهمها هذا التوافق بين المجلس العسكري وجماعة الإخوان في قضية موعد الانتخابات.

 

ورفض ما تجمع عليه كل القوى السياسية الأخرى من ضرورة إعداد الدستور أولا حتى يأتي معبراً عن روح الثورة ويشارك في إعداد كل قوى المجتمع ويأتي مجسداً للإرادة الشعبية في إقامة الدولة المدنية وضمان الحقوق المتساوية لكل المواطنين.

 

. ومع اقتراب استحقاق الانتخابات تزداد الحاجة لحسم الأمر قبل انفجار الأزمة، وتبدو المواقف متباعدة، والرغبة في تفاهمات حقيقية غائبة.