أيام الامتحانات الصعبة قد ولت من جامعة الكويت بشكل عام، ومن كلية العلوم الاجتماعية على وجه التحديد، ومن قسم الاجتماع والخدمة الاجتماعية بشكل أكثر خصوصية.
فأيام «الكنترول والأرقام السرية» وتفصد العرق من جباه الطلبة والطالبات، والمراقبة شبه البوليسية ودوسيهات الأوراق التي كان يجب ملؤها كتابة عن بكرة أبيها، هذه ولت دون رجعة! وما ولى أيضاً تلك العلاقة التي كانت تنسجها الحياة الجامعية في أواخر ستينات القرن الماضي إلى قبيل دورة القرن الحادي والعشرين، بين الأستاذ الجامعي والطالب، فالأخير في تلك الأيام الخوالي ـ والتي أضحت فترة رومانسية يتذكرها أبناء جيلنا ـ لم يكن يفكر قط في الذهاب إلي مكتب دكتوره والتماس مساعدته، إيماناً منه بموضوعية أستاذه وبعدله وإنصافه، وفوق ذلك عدم تفشي ظاهرة طلب المساعدة، أو هكذا كنا نحس بها نحن الطلبة الذين قدر لنا أن نتلقى العلم في تلك الفترة الذهبية.
أما الآن فقد تغيرت الصورة رأساً على عقب! فالامتحانات أصبحت في القاعات التي يتلقى فيها الطالب محاضراته، يراقبه نفس الأستاذ أو من يساعده في ذلك، وتحولت الدوسيهات السميكة التي كانت تُملأ كلمات وجملاً وفقرات، إلي بضع ورقات ـ هذا بالكثير ـ يؤشر الطالب في إحداها (ورقة الإجابة) على الجملة إن كانت صحيحة أم خطأ، أو ما إذا كانت الإجابة هي إحدى الخيارات الأربعة: أ، أو ب، أو ت، أو ج. أما الكتابة المطولة فقد أصبحت من خبر كان، اللهم إلا من بعض الأساتذة (من أمثالي) الذين ارتضوا الشقاء والعناء لأنفسهم! وهؤلاء يواجهون ضغوطات من الطلبة ومن زملائهم الأساتذة، كي يحيدوا عن طريقهم ويدخلوا حظيرة ما يسمى بـ«الامتحانات الموضوعية»، وهي أبعد ما تكون عن الموضوعية! فاحتمال النجاح فيها حتى من أولئك الذين لم يفتحوا كتاباً قط، احتمال كبير لأن مثل هذه الامتحانات تعتمد في جزء منها على الحظ والمصادفة.
أما أكثر ما يفتقده الأستاذ الجامعي الجاد، فهو تلك العلاقة بينه وبين طلابه، وربما بينه وبين زملائه. وفي هذا المقام لا أريد التعميم، فأنا أتكلم عن تجربتي الشخصية في جامعة الكويت، وتحديداً في قسم الاجتماع، إذ قد يصدق ذلك على صُرح أكاديمية أخرى وقد لا يصدق، وربما قد لا يصدق أيضاً على بعض الزملاء والكثير من الطلبة في قسمي العلمي الذي أدرس فيه. إن العلاقة بين الطالب والأستاذ، قد غدت علاقة مادية إلى أبعد الحدود، «إلا من رحم ربي»!!
قد لا يصدق القارئ الكريم ما سأقوله، لكن هذا هو الواقع الذي بت أعايشه منذ سنوات، فجموع الطلبة الذين يدرسون عندي، يقومون بتأدية واجب السلام حينما ألاقيهم في طريقي إلى قاعة المحاضرة أو حينما يأتون إلى القسم العلمي، هذا حينما يكونون عندي مسجلين في إحدى موادي الدراسية، وما أن ينقضي الفصل الدراسي ـ وما أقصره ـ حتى تذهب عن الغالبية الساحقة منهم تلك الخصلة الحميدة، وهي تأدية السلام أثناء الالتقاء، لدرجة أن هذه القضية باتت شغلي الشاغل وأطرحها أثناء محاضراتي، وأقول لهم إن التحية والسلام هي «سنة» يثاب عليها المرء، قبل أن تكون واجباً اجتماعياً تقتضيه العادات والأعراف!!
وقد يقول قائل إن الطلبة والطالبات الذين لا يؤدون واجب التحية، ربما يكونون من الراسبين أو من الذين كانوا يظنون أنهم سيحصلون على درجة أعلى من تلك التي حصلوا عليها فعلاً. وأسارع قائلاً إن ذلك غير صحيح، إذ إنهم من مستويات الطلبة جميعاً: من المتفوقين ومن المتوسطين والراسبين أيضاً!
ويبدو أن نظرة جديدة للأستاذ قد حلت مكان النظرة القديمة. ولكن لا بد من القول أيضاً، إن القلة من الطلبة والطالبات يظلون أوفياء ويتذكرون معروف أستاذهم. ولا بد أيضاً من الإضافة، أن الوفاء للأستاذ يظهر عند جميع الطلبة حينما يتخرج هؤلاء ويدخلون معترك الحياة، عندئذ يظهرون الود حينما يلاقون أساتذتهم في الوزارات أو الدوائر الحكومية أو غيرها، فيقومون بتسهيل خدماتهم ومعاملاتهم، مبدين الكثير من السرور والرضى والامتنان.
إحدى الظواهر المرضية أيضاً، تلك المتعلقة بالدرجات والعلامات، والتي يشتبك فيها الأستاذ بالطالب والأستاذ بزملائه. فلم يعد طلب زيادة الدرجة على الطالب متواضع الأداء، بل أقول مطمئناً إنه أصبح يشمل جميع الطلبة الذين ألاقيهم ولاقيتهم. وهو لا يقتصر على الطلبة، بل على الأساتذة حينما «يتوسطون» بدواع عائلية أو قبلية أو طائفية، لهذا الطالب أو ذاك. وهو من أثقل الأمور على نفوس كثير من الأساتذة الذين يريدون تأدية عملهم باستقامة، بعيداً عن الضغوطات الاجتماعية.
ولا يعلم هؤلاء الأساتذة أنهم بعملهم هذا (الواسطة)، فإنهم يشيعون في الحرم الجامعي قيماً هي نقيض لقيم العدل والإنصاف والمواطنة، التي أنشئت الجامعة لتكون حاضنتها ومركز إشعاع لها.